فاعتماد الأصحاب في تقييم التراث الحديثيّ - فضلًا عن وثاقة الراوي - كان على ورود الحديث في كتابٍ مشهور مع صحّة انتساب الكتاب إلى المؤلّف وتحمّل المشايخ له ، ووصول الكتاب إليهم بطريق معتبر ، فربّما لم يكن الرجل موثّقاً بحسب الاصطلاح ، غير أنّ أصحابنا اعتمدوا على كتابه ، كما نجده في كتاب طلحة بن زيد ، رغم أنّه لم يُذكر له توثيق صريح ، ولكنّ النجاشي صرّح بأنّ كتابه معتمد . « 1 »
وليس هناك تلازم بين وثاقة المؤلّف والاعتماد على كتابه ؛ إذ ربّما يكون الاعتماد على الكتاب لشواهد خارجية ، كما اعتمد أصحابنا على نسخة النوفليّ لكتاب السَّكونيّ ، وليس معنى ذلك ثبوت الوثاقة المصطلحة للنوفليّ ، بل المراد الاعتماد على النسخة التي رواها النوفليّ من كتاب السَّكونيّ .
فكلّ ما رواه النوفليّ عن السَّكونيّ معتبر عند أصحابنا ، بخلاف روايات النوفليّ عن غير السَّكونيّ . « 2 »
وربّما يكون هناك اختلاف بين نسخ الكتب ، فلذلك كانوا يهتمّون بالنسخ كما يهتمّون بالإسناد ، وهذا هو مراد النجاشي من كلامه مراراً وتكراراً : « له كتاب تختلف الرواية فيه » ، انظر ترجمة الحسن بن صالح الأحول حيث قال : « له كتاب تختلف روايته » ، قال في ترجمة الحسن بن الجَهم بن بُكَير : « له كتاب تختلف الروايات فيه » ، وقال في ترجمة الحسين بن علوان الكُلَيب : « وللحسين كتاب تختلف رواياته » « 3 »
. وكذلك كلام ابن نوح فإنّه يزيد هذا المعنى ، حيث قال : « ولا تُحمل رواية على رواية ولا نسخة على نسخة ؛ لئلّا يقع فيه اختلاف » . « 4 »
هامش
( 1 ) . انظر : رجال النجاشي : 207 الرقم 550 .
( 2 ) . وقد تجد في التراث الشيعيّ روايات جرت على الألسن دون أصل مدوّن ، ولكنّ الغالب فيه هو النقل عن الكتب كما ذكرنا .
( 3 ) . رجال النجاشي : 50 الرقم 107 ، و 50 الرقم 109 ، و 52 الرقم 116 .
( 4 ) . المصدر السابق : 60 الرقم 137 نقلًا عن ابن نوح السيرافيّ .