شرح
نعبدهم ، فقال : أليس يحرِّمون ما أحلّ اللَّه فتحرّمونه ، ويحلّون ما حرّم اللَّه فتستحلّونه ؟ قال : قلت : بلى ، قال : فتلك عبادتهم « 1 » .
فإنّ المستفاد من الرواية أنّ إطلاق المشرك على النصارى إنّما كان بنحو من العناية والتسامح ، لا بنحو الحقيقة ؛ فإنّ تبعيّتهم في التحليل والتحريم لا تكون عبادتهم حقيقة ، فلا يتحقّق الشرك في العبادة كذلك . ومن المعلوم أنّ المراد من المشركين في الآية الكريمة ، التي هي محلّ البحث ، هو المشركون بالمعنى الحقيقي ، فلا تشمل الآية من يطلق عليه المشرك مجازاً ومسامحة .
مع أنّ النصارى - على ما يستفاد من الآيات الواردة فيهم - طوائف مختلفة ، قال اللَّه تعالى مخاطباً لعيسى - : « ءَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِى وَأُمّىَ إِلهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ » « 2 » . وقال تعالى : « لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلثَةٍ » « 3 » .
وقال : « لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ » « 4 » ، وغير ذلك من الآيات الواردة فيهم ، ولا يمكن لنا إثبات الشرك لجميع طوائفهم ، ولا إثباته أيضاً لليهود مطلقاً وإن كان اليهود والنصارى بأجمعهم كفّاراً « قتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ » « 5 » .
مضافاً إلى أنّ محطّ النظر فيآية « إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ » إنّما هو المشركون في ذلك العصر ، لا اليهود والنصارى ، وبعبارة أخرى : عنوان « المشرك » في الآية عنوان
هامش
( 1 ) - المعجم الكبير 17 : 92 / 218 ؛ تفسير الثعلبي 5 : 34 ؛ مجمع البيان 5 : 41 ؛ وعنه بحار الأنوار 9 : 98 .
( 2 ) - المائدة ( 5 ) : 116 .
( 3 ) - المائدة ( 5 ) : 73 .
( 4 ) - المائدة ( 5 ) : 72 .
( 5 ) - التوبة ( 9 ) : 30 ؛ المنافقون ( 63 ) : 4 .