شرح
المشرك في الحقيقة من يعتقد بثبوت الشريك للَّهتعالى ، إمّا في الذات ووجوب الوجود ، وإمّا في الفعل ، وإمّا في العبادة والخضوع لديه ، كالمشركين الذين كانوا يعيشون في عصر البعثة وزمان نزول الوحي والقرآن الكريم ؛ فإنّهم كانوا يعتقدون بأنّ اللَّه خالق السماوات والأرضين ؛ لقوله تعالى : « وَلَلِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّموَ تِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ » « 1 » ، ومع ذلك كانوا يعبدون غير اللَّه من الأصنام والآلهة ليقرّبوهم إلى اللَّه زلفى ، قال اللَّه تعالى حكاية عنهم : « مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرّبُونَآ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى » « 2 » . ومن المعلوم أنّ اليهود والنصارى ليسا بما هم كذلك بمشركين .
نعم ، قد يقال : إنّ مقتضى بعض الآيات الواردة فيهم إنّهم من المشركين . وعليه :
فتشملهم الآية الدالّة على نجاستهم ، كقوله تعالى : « وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصرَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ - إلى قوله سبحانه : « وَمَآ أُمِرُواْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ إِلهًا وَحِدًا لآَّ إِلهَ إِلَّا هُوَ سُبْحنَهُو عَمَّا يُشْرِكُونَ » « 3 » « 4 » .
وفيه : أنّ قوله تعالى : « سُبْحنَهُو عَمَّا يُشْرِكُونَ » قد وقع عقيب قوله تعالى : « اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبنَهُمْ أَرْبَابًا مّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَآ أُمِرُواْ » الآية ، والمراد من اتّخاذهم أرباباً ليس ما هو ظاهره ؛ لعدم قولهم بالوهيّتهم ؛ لما روي عن الثعلبي ، عن عدي بن حاتم - فيحديث - قال : انتهيت إليه - يعني إلى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله - وهو يقرأ سورة البراءة ، فقرأ هذه الآية : « اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبنَهُمْ أَرْبَابًا مّن دُونِ اللَّهِ » حتّى فرغ منها ، فقلت له : إنّا لسنا
هامش
( 1 ) - لقمان ( 31 ) : 25 .
( 2 ) - الزمر ( 39 ) : 3 .
( 3 ) - التوبة ( 9 ) : 30 - 31 .
( 4 ) - مصباح الفقيه 7 : 236 .