شرح
إلى أنّ الأصل يقتضي التعبّديّة ، نظراً إلى أنّ العلل التشريعيّة كالعلل التكوينيّة ، فكما أنّه في العلل التكوينيّة يكون مقتضى تأثيرها حصول المعلول المستند إليها ؛ إذ النار لا تؤثّر إلّافي حصول الإحراق المستند إليها ، لا أن يكون وصف الاستناد إليها مستنداً إلى تأثير النار ، بل الإحراق المعلول منها إنّما يكون محدوداً بحدود الاستناد إليها ، فكذلك في العلل التشريعيّة يكون مقتضى تأثيرها حصول المعلول المستند إليها .
وحينئذٍ فالأمر حيث يكون علّة تشريعيّة ؛ إذ هو تحريك للمكلّف نحو العمل ، فلابدّ أن يكون معلوله - وهو العمل - مستنداً إليه ؛ بمعنى أنّ الواجب هو إتيانه على نحو يكون هو المؤثّر في حصوله ، وذلك لا يتحقّق إلّابإتيانه منبعثاً عن البعث المتعلّق إليه ومدعوّاً بدعوته ، وهذا عين التعبّديّة .
ويرد عليه - مضافاً إلى أنّه لا نسلّم ذلك في العلل التكوينيّة ، فضلًا عن العلل التشريعيّة إلّابالإضافة إلى اللَّه تبارك وتعالى ، وتحقيقه في موضعه « 1 » - : أنّه لو سلّم ذلك في العلل التكوينيّة ، فما الدليل على كون العلل التشريعيّة مثلها ؟ فأيّة آية أو رواية وردت في ذلك ، وليس هذا الأمر إلّاصرف الادّعاء من دون أن ينهض دليل عليه .
والإنصاف أنّ هذه القاعدة الكلّية التي بنى هذا المحقّق عليها مباحث كثيرة في الأصول ، كمسألة عدم تداخل الأسباب ، وفوريّة الأمر ، وتعبّديّة الواجب المشكوك ، ونظائرها ممّا لا يتّكىء إلى ركن وثيق ، ولا يساعده التحقيق ، كما يظهر بالنظر الدقيق .
هامش
( 1 ) - دراسات في الأصول 1 : 458 - 461 ؛ أصول فقه شيعه 3 : 379 - 393 .