شرح
والظاهر عدم وصول النوبة إلى المعارضة وكون النزح مستحبّاً لا واجباً ، وبهذا يظهر المناقشة في ادّعاء الشهرة على النجاسة بين القدماء ، بل الإجماع عليها ؛ لأنّ منشأه أنّهم ذكروا أخبار النزح في كتبهم وأفتوا بمضمونها ، فربما يتوهّم - كما توهّم - أنّ مرادهم نجاسة البئر ووجوب النزح لأجل حصول الطهارة ، مع أنّه لم يثبت ذلك ؛ فإنّه - مضافاً إلى أنّه يظهر من بعضهم أنّ وجوب النزح لا يكون وجوباً شرطيّاً ، بل تعبّديّاً « 1 » لا دلالة فيه على النجاسة بوجه - ينفي ذلك أنّ بعضهم قد أورد أخبار الطهارة أيضاً ؛ مثل الصدوق قدس سره في كتابي « المقنع والهداية » « 2 » .
حيث إنّه قد ذكر في ضمن مقادير النزح ما يدلّ على طهارة الثوب المغسول بماء البئر ، وصحّة الوضوء ، والصلاة بعد العلم بأنّه كان فيها ميتة ، وذكر في الثانية أيضاً ما يدلّ على أنّ البئر واسع لا يفسده شيء .
وبالجملة : فلم يثبت الإجماع بل الشهرة على النجاسة ، ولو سلّم فهو لا يدلّ على طرحهم للأخبار الدالّة على الطهارة ، بل لم يكن ذلك إلّالاجتهادهم وترجيحهم للأخبار الدالّة على النجاسة ، والدليل عليه أنّهم ربما التجأوا إلى تأويلها وحملها على خلاف ظاهرها ، كما عرفت « 3 » من الشيخ الطوسي قدس سره ؛ لأرجحيّة المعارض بنظرهم ، فالإجماع على تقدير تحقّقه منشؤه الاجتهاد ، فلا يكشف عن قول المعصوم عليه السلام إلّابناءً على بعض الوجوه المذكورة لحجّيته ، وقد حقّق بطلانه في الأصول « 4 » .
هامش
( 1 ) - نسب في مدارك الأحكام 1 : 54 ، إلى الشيخ في تهذيب الأحكام 1 : 232 ؛ ومنتهى المطلب 1 : 68 .
( 2 ) - المقنع : 33 ؛ الهداية : 69 .
( 3 ) - تقدّم في الصفحة 94 .
( 4 ) - العُدّة في أصول الفقه 2 : 601 - 603 ؛ قوانين الأصول 1 : 341 - 342 ؛ تهذيب الأصول 2 : 421 - 424 ؛ سيرى كامل در أصول فقه 10 : 291 وما بعدها ؛ دراسات في الأصول 2 : 423 - 430 .