بالدماء السائلة من الذبائح بل كانت الجبال وما بينها من المنعطفات والمتعرجات ظاهرة واضحة بشكلها الطبيعي ، فكانت الشمس والهواء يذهبان بالروائح وينشفان الدماء والفضلات . أما الآن وقد ازدحمت المروة بالبيوت والسكان فلا يستحب الذبح بالمروة بل يحرم لتحقق حصول الإيذاء للمقيمين حول المروة .
فعلى هذا يمكن لنا أن نقول كانت مجزرة مكة في صدر الإسلام بالمروة ، لكن ليس في مكان السعي والطريق العام وإنما في نواحي جبل المروة إلى جهة المدّعى وإلى جهة القرارة ولذلك كانت المواشي تباع بالمدّعى عند " مسجد الغنم " اليوم ذلك المسجد الصغير جدا الذي على رأس الزقاق بآخر المدّعى وأول الجودرية ، فقد ذكر الأزرقي بصحيفة 192 من الجزء الثاني من تاريخه أن بهذه الجهة سوق الجزارين وبها أيضا سوق الغنم كما جاء بصحيفة 163 وموقف الغنم كما جاء بصحيفة 218 .
ثم لما وصل العمران إلى المدّعى وكثر الناس عما قبل انتقلت المجزرة من الموضع إلى شعب أبي دب كما ذكره الأزرقي بعدة مواضع ، وقال في صحيفة 170 من الجزء الثاني وشعب أبي دب الذي يعمل فيه الجزارون بمكة بالمعلاة ، وقال في صحيفة 182 " شعب أبي دب بالحجون " والأزرقي توفي في منتصف القرن الثالث للهجرة .
فعلم من كلام الأزرقي أن المجزرة كانت بالحجون بالمعلاة لكن لا نعرف بالضبط في أية بقعة كانت فما زالت المجزرة في موضعها بالحجون من ذلك الزمن إلى عصرنا الحاضر أي إلى سنة ( 1361 ) إحدى وستين وثلاثمائة وألف ، لكن في عصرنا كان موضعها بالضبط وراء جبل مقبرة المعلاة من الجهة المؤدية إلى جرول لعدم وجود العمران هنالك في ذلك الوقت . وقد سمى الأزرقي هذا الموضع الأحداب وذات أعاصير كما جاء ذلك بصحيفة 231 من الجزء الثاني .
ثم إنه في السنة المذكورة أي سنة ( 1361 ) نقلت هذه المجزرة القديمة العهد إلى جهة بئر العتيبية لأن العمران اتصل إلى جهة هذه المجزرة بالمعلاة .
ثم إنه في سنة ( 1377 ) سبع وسبعين وثلاثمائة وألف في زماننا هذا نقلت هذه المجزرة أيضا من العتيبية إلى جهة العشر " بضم العين وفتح الشين " وخريق العشر واقع بآخر المعابدة بعد ثنية أذاخر . ولقد بنيت هذه المجزرة الجديدة بناية جميلة على الطراز الحديث في أول سنة ( 1376 ) واستعملت للذبح بعد بنايتها بسنة
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم — صفحة 98
مساهمون: محمد طاهر الكردي المكي ( خطاط )
ص٩٨