وجاء في صحيح البخاري أيضا عن أنس بن مالك قال : قدم عبد الرحمن بن عوف فآخى النبي صلى اللّه عليه وسلم بينه وبين سعد بن الربيع الأنصاري وعند الأنصاري امرأتان فعرض عليه أن يناصفه أهله وماله . فقال : بارك اللّه لك في أهلك ومالك دلوني على السوق . فأتى السوق فربح شيئا من أقط وشيئا من سمن ، فرآه النبي صلى اللّه عليه وسلم بعد أيام وعليه وضر من صفرة فقال : مهيم يا عبد الرحمن ؟ فقال : تزوجت أنصارية ، قال : فما سقت ؟ قال : وزن نواة من ذهب ، قال : أولم ولو بشاة . اه .
فانظر رحمك اللّه كيف كان الأنصار يؤثرون المهاجرين على أنفسهم وانظر إلى تضحيتهم العظيمة في سبيل الأخوة الإسلامية والحب في اللّه ولقد أثنى اللّه تعالى عليهم في سورة الحشر بقوله :
وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ
.
فرضي اللّه عن المهاجرين والأنصار فهم السابقون المختارون الأبرار فأين ذلك العصر الزاهر الأنوار من عصرنا هذا المظلم الأبتر ، نسأل اللّه تعالى السلامة والعافية .
ثم انظر إلى شهامة عبد الرحمن بن عوف وعزة نفسه فإنه رضي اللّه تعالى عنه لم يرض أن يقاسمه سعد الأنصاري الكريم أهله وماله ، وإنما طلب أن يدلوه على السوق ليتاجر فيه فيأكل من كسب يده ، وبالفعل فقد نزل إلى السوق وربح فيه وجمع مالا فتزوج من ماله الخاص ثم صار فيما بعد من كبار الأغنياء المعدودين .
وتجارة العرب كانت من منتوجات بلادهم كالغزل وبعض الأعشاب والنبات والفواكه والألبان والجلود وبعض المحصولات ، فكانوا يتاجرون بمحصولات البلاد في أسواقهم وفي خارج بلادهم إذا سافروا إلى جهة الشام أو اليمن ثم يأتون من هنالك بالبضائع المرغوبة في بلادهم للتجارة أيضا .
وكان من أشهر تجارهم : أمية بن خلف ، وعبد اللّه بن جدعان ، وخديجة بنت خويلد أم المؤمنين ، والعباس بن عبد المطلب ، وأبو سفيان بن حرب وغيرهم .
قال الشيخ حسين بن عبد اللّه باسلامة رحمه اللّه تعالى في الجزء الأول من كتابه « حياة سيد العرب » عن تجار العرب وتجارتهم ما نصه :
وكان من تجار قريش في العصر النبوي من يملك الملايين . روى الحافظ الذهبي في تاريخه أن ثروة الزبير بن العوام رضي اللّه عنه قدرت بعد وفاته بأربعين ألف