تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم — صفحة 64

مساهمون:

ص٦٤

كيفية ثبوت هلال ذي الحجة في عصر ابن جبير

لم تكن في العصور السابقة اخترعت وسائل الاتصال السريعة بين البلدان من تيلفونات وتلغرافات وراديوات ونحوها كما هو الشأن في عصرنا هذا ، لذلك يتشوف الإنسان إلى كيفية ثبوت هلال ذي الحجة أو ثبوت هلال رمضان أو شوال لما يترتب على ثبوته الحج والصوم والفطر . ولقد وصف ابن جبير في رحلته الشهيرة باسمه كيفية ثبوت هلال ذي الحجة عام وجوده بمكة المشرفة وهو عام ( 579 ) تسع وسبعين وخمسمائة من الهجرة فقال رحمه اللّه تعالى : استهل هلال ذي الحجة ليلة الخميس بموافقة الخامس عشر من مارس ، وكان للناس في ارتقابه أمر عجيب وشأن من البهتان غريب ونطق من الزور كان يعارضه من الجماد فضلا عن غيره رد وتكذيب ، وذلك أنهم ارتقبوه ليلة الخميس الموفي ثلاثين والأفق قد تكاثف نوره وتراكم غيمه إلى أن علته مع المغيب بعض حمرة من الشفق فطمع الناس في فرجة من الغيم لعل الأبصار تلتقطه فيها . فبينما كذلك أن كبر أحدهم فكبر الجم الغفير لتكبيره ومثلوا قياما ينتظرون ما لا يبصرون ويشيرون إلى ما يتخيلون حرصا منهم على أن تكون الوقفة بعرفات يوم الجمعة كأن الحج لا يرتبط إلا بهذا اليوم بعينه ، فاختلقوا شهادات زورية ومشت منهم طائفة من المغاربة أصلح اللّه أحوالهم ومن أهل مصر وأربابها فشهدوا عند القاضي برؤيته فردّهم أقبح ردّ وجرّح شهاداتهم أسوأ تجريح وفضحهم من تزيّف أقوالهم أخزى فضيحة وقال : يا للعجب لو أن أحدهم يشهد برؤية الشمس تحت ذلك الغيم الكثيف النسج لما قبلته فكيف برؤية هلال هو ابن تسع وعشرين ليلة ؟ وكان أيضا مما حكى من قوله : تشوشت المغارب ، تعرضت شعرة من الحاجب فأبصروا خيالا ظنوه هلالا . وكان لهذا القاضي جمال الدين في أمر هذه الشهادة الزورية مقام من التوقف والتحري حمده له أهل التحصيل وشكره عليه ذوي العقول وحق لهم ذلك فإنها مناسك الحج للمسلمين عظيمة أتوا لها من كل فج عميق فلو تسومح فيها بطل السعي وقال الرأي واللّه يرفع الالتباس والبأس عنه ، فلما كانت ليلة الجمعة المذكورة ظهر الهلال أثناء فرج السحاب وقد اكتسى نورا من الثلاثين ليلة فزعقت العامة زعقات هائلة وتنادت بوقفة الجمعة وقالت الحمد