القسم الثاني : ما بعد الهجرة
وفيه تاريخ واحد وهو من هلاك يزدجرد آخر ملوك الفرس وكان بعد الهجرة بعشر سنين وثمانية وسبعين يوما . انتهى من صبح الأعشى ، وهو كما لا يخفى مبحث نفيس عن وضع التأريخ ، وقد تراه مطوّلا لكنه مفيد ويحتاج إليه .
وما أحلى كلام أمير الشعراء أحمد شوقي بك رحمه اللّه تعالى في « التاريخ » في كتابه دول العرب وعظماء الإسلام حيث يقول :
من سخر الصخر الأصم للقلم * حتى جرى نورا عليه في الظلم
يضيئ أثناء الصفا وطورا * ينجد كهفا بالسني وغورا
لكل شيء عنصر ومنحت * وما أبو الأقلام إلا المنحت
كم دمية مما جلا مخلقة * مغنية ما أغنت المعلقة
قديمة تعرف الحديثا * حادثة في الدهر أو حديثا
قد نشأ التاريخ في حجر الحجر * وشب ما بين الكهوف والحجر
أليس في الصخر وفي الأديم * جلّ حديث العالم القديم
ثم قال أمير الشعراء بعد خمسة أبيات منها :
سبحانه قص حديث آدم * على تنائي العهد والتقادم
ورفع التاريخ أعلى منزلة * بنصّه في كتبه المنزلة
بين الأناجيل علت أصوله * وفي الحواميم غلت فصوله
ألم يك التاريخ ظل العالم * وأقدم الأعلام والمعالم
توهم الخلد به الأوائل * وظن أن نال البقاء الزائل
وطلب الصيت به قديما * والذكر فوق الأرض مستديما
والنفس ترجو همة الخلود * في العلم والبنيان والمولود
توهم الحياة بعد موت * وتزعم الوجدان بعد فوت
ضاقت على النوابغ الآجال * فكان في الذكر لهم مجال
في كل ذي روح هوى الحياة * أودعه مصرف الآيات
فكن إذا أحببتها فخم الهوى * لا تك والشاة على حد سوا
أنظر إلى الآباء كيف هاموا * بالخلد واحتالت له الأفهام