تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم — صفحة 353

مساهمون:

ص٣٥٣
باعتبار المآل كقوله : الجنة تحت ظلال السيوف أي الجهاد مآله الجنة أو تشبيه بليغ كزبد بحر ، لأن زوار قبره الشريف من الملائكة والإنس والجن لا يزالون في تلك البقعة مكبين على ذكر اللّه وعبادته . فهذه البقعة المقدسة روضة من رياض الجنة الآن ، وتعود إليها ويكون للعامل فيها روضة في الجنة . ومعنى : « ومنبري على حوضي » أنه يوضع بعينه على حوضه يوم القيامة وقدرة اللّه تعالى صالحة لذلك . قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري : قال الأكثر : المراد منبره بعينه الذي قال هذه المقالة وهو فوقه ، وقيل : المراد المنبر الذي يوضع له يوم القيامة والأول أظهر . قال : وقد رواه الطبراني في الكبير من حديث أبي واقد الليثي رفعه « أن قوائم منبري رواتب في الجنة » وقيل : معناه أن قصد منبره والحضور عنده لملازمة الأعمال الصالحة يورد صاحبه إلى الحوض ويقتضي شربه منه واللّه أعلم . قال الأبّيّ : كان شيخنا أبو عبد اللّه « يعني ابن عرفة » يقول : لا يمتنع أن يكون من الجنة حقيقة وهذا أمر جائز أخبر الشرع بوقوعه فلا مانع ، فقيل له المانع أنه ليس على صفات الجنة المذكورة في الأحاديث فقال : يجوز أن تكون كذلك ولا ندركها ، قيل له فقد قال الحكماء لو قال أحد أن بين يدينا بحارا وجبالا لا ندركها لكان هوسا من القول فقال لو أخبر الشارع أن بين أيدينا تلك الأشياء لوجب الإيمان به وقد قال صلى اللّه عليه وسلم : أريت الجنة والنار في عرض هذا الحائط وقد قيل إن ذلك حقيقة . اه . ونقل ابن زبالة : أن ذرع ما بين المنبر والبيت الذي فيه القبر الآن ثلاث وخمسون ذراعا ، وقيل : أربع وخمسون وسدس ، وقيل : خمسون إلا ثلثي ذراع وهو الآن كذلك فكأنه نقص لما أدخل من الحجرة في الجدار . انتهى من شرح زاد المسلم فيما اتفق عليه البخاري ومسلم . نقول : إن كلام العلّامة ابن عرفة المتقدم من أنه لو أخبر الشارع أن بين أيدينا تلك الأشياء لوجب الإيمان به . قوله هذا حق لا شك فيه فهو يشبه وجوب الإيمان بسؤال القبر وضمته ونعيمه وعذابه وامتداد سعته للرجل الصالح مع أننا لو جعلنا القبر مكشوفا عند دفن الميت وأقمنا عنده مدة طويلة ننظر إليه لما شاهدنا وما سمعنا أي شيء . فمثل هذا من الإيمان بالغيب .