الكلام على مدينة جدة
لما كانت جدة أهم ميناء الحجاز من قديم الزمان إلى الآن ، فإنها تعد باب الحرمين الشريفين لورود غالب الحجاج وأكثر الأرزاق عن طريقها من جهة البحر الأحمر وهو المسمى قديما ب « بحر القلزم » . لذلك كان من الواجب علينا أن نذكر شيئا من تاريخ جدة مع العلم بأنه لم نر لجدة مؤلفات عن تاريخها غير أننا وقفنا على بعض أسماء الكتب وهي كالآتي : الجواهر المعدة في فضائل جدة ، تأليف أحمد الحضراوي ، وكتاب السلاح والعدة في تاريخ جدة للخطيب ، وكتاب تاريخ جدة للأستاذ عبد القدوس الأنصاري ، وهو مطبوع سنة ( 1383 ه ) ولكن لم نطلع على شيء من الكتب المذكورة لأننا ما ظننا أنه يأتي يوم نكتب عن جدة شيئا .
فنقول : إن جدة ما عرفت إلا في عهد أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضي اللّه تعالى عنه ، فقد كانت في بادئ أمرها قرية صغيرة يسكنها قضاعة قبل الإسلام ، وكان الميناء المعروف في ذلك الوقت « الشعيبة » فاشتكى الناس إلى عثمان رضي اللّه تعالى عنه ما يلاقونه من التعب في هذا الميناء ، لكثرة ما فيها من الشعاب التي تعيق سير السفن ، وطلبوا منه أن يجعل « جدة » ثغرا لمكة بدلا من الشعيبة . فأمر رضي اللّه عنه بجعل جدة ميناء لمكة كما سيأتي تفصيله ، فمن ذلك اليوم عرفت جدة واشتهرت لدى الناس .
ومما يذكر أن عثمان رضي اللّه عنه عند قدومه إلى جدة أنه نزل إلى البحر فاغتسل وأمر قومه بالاغتسال فيه كذلك وأن يتخذوا المئزر عليهم .
والشعيبة بضم الشين وكسر العين واقعة في جنوب جدة ، وتبعد عنها بمقدار مرحلتين ، وهي قريبة من الرأس الأسود ومعروفة إلى اليوم كما ذكره الشيخ رشدي ملحس رحمه اللّه تعالى في تعليقه على تاريخ الأزرقي .
ويقال إن بالشعيبة بقايا أساطين الرخام التي جلبها أمير المؤمنين محمد المهدي رحمه اللّه تعالى من مصر والشام لعمارة المسجد الحرام ، وقد دفنها الريح بالرمل واللّه تعالى أعلم بحقيقة ذلك .