تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم — صفحة 306

مساهمون:

ص٣٠٦
فجدة اليوم أصبحت أهم ميناء في المملكة العربية السعودية ، وقد صار عدد سكانها وعدد منازلها أضعاف أضعاف ما كان عليه في الزمن السابق كما سيأتي الكلام على ذلك إن شاء اللّه تعالى . قال ابن جريج : سمعت عطاء يقول : إنما جدة خزانة مكة ، وإن ما يؤتى به إلى مكة لا يخرج به منها ، اه . نقول : وهذا كلام صحيح لا ريب فيه ، فما سمعنا أن بعض التجار والمزارعين في وقتنا هذا أيضا ينوي بشيء من بضاعته أو ثمار زرعه باسم مكة فلا يبيعه في غيرها ولو أعطي ضعف الثمن .

ما قاله الرحالة ابن جبير عن جدة

قال ابن جبير الأندلسي في رحلته التي كانت سنة ( 578 ) ثمان وسبعين وخمسمائة يصف مدينة جدة حينما وصل إليها في اليوم الرابع من ربيع الثاني من السنة المذكورة ما يأتي : وجدة هذه قرية على ساحل البحر أكثر بيوتها أخصاص « هي جمع خص بالضم ، البيت من القصب » ، وفيها فنادق مبنية بالحجارة والطين وفي أعلاها بيوت من الأخصاص كالغرف ولها سطوح يستراح فيها بالليل من أذى الحر ، وبهذه القرية آثار قديمة تدل على أنها كانت مدينة قديمة وأثر سورها المحدق بها باق إلى اليوم ، وبها موضع فيه قبة مشيدة عتيقة يذكر أنه كان منزل حواء أم البشر صلى اللّه عليها وسلم عند توجهها إلى مكة فبني ذلك المبنى عليه تشهيرا لبركته وفضله ، واللّه أعلم بذلك . وفيها مسجد مبارك منسوب إلى عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ، ومسجد آخر له ساريتان من خشب الأبنوس ينتسب أيضا إليه رضي اللّه عنه ، ومنهم من ينسبه إلى هارون الرشيد رضي اللّه عنه ، وأكثر سكان هذه البلدة مع ما فيها من الصحراء والجبال أشراف وعلويون وحسنيون وحسينيون وجعفريون رضي اللّه عن سلفهم الكريم ، وهم من شظف العيش بحال يتصدع له الجماد إشفاقا . ويستخدمون أنفسهم في كل مهنة من المهن من إكراء جمال إن كان له أو مبيع لبن أو ماء إلى غير ذلك من تمر يتلقطونه أو حطب يحتطبونه ، وربما تناولوا ذلك نسائهم الشريفات بأنفسهن ، فسبحانه المقدر لما يشاء . ولا شك أنهم أهل بيت ارتضى اللّه لهم الآخرة ، ولم يرتض لهم الدنيا ،