الثانية : لو نزل الثلج في الشتاء ، كبعض البلدان ، لغطى الكعبة المعظمة والمسجد الحرام ، فيتعذر الطواف حول الكعبة كما تتعذر الصلاة في المسجد الحرام ، وكما يتعذر السعي للمحرم أيضا .
الثالثة : لو صادف وقت الحج في أيام نزول الثلج ، لتعطلت مشاعر الحج وتعذر على الناس أداؤه . نعم أحيانا ينزل البرد مع المطر ، ولا تكبر حباته عن الفول وقد تصغر ، ومن النادر جدا نزوله كبارا وما كان في مكة من حرارة أو برودة يكون فيما حولها . وأما مدينة جدة فهي كمكة ، وقد يكون الهواء فيها ألطف من مكة بسبب البحر الأحمر ، وفي هوائها رطوبة بسبب البحر أيضا . وأما الطائف فهواؤها بارد جدا في الشتاء ، وفي هوائها يبس وجفاف ، وهو مصيف أهل مكة من قديم الزمان . وقد يثور بمكة في كل عام مرة أو مرتين في الصيف ، هواء شديد مزعج يحمل معه كثيرا من الأتربة والغبار ، فيغبر الجو بحيث لا يرى الإنسان ما بعد عنه قليلا ، وغالبا يعقب هذا الهواء مطر يصلح الأرض ويلطف الجو فتنتعش النفوس من ذلك ومن الحكم الدقيقة أنه مهما ثار الغبار بمكة والمدينة فلا يضر الناس ذلك بخلاف غيرهما من البلدان فالناس يحترسون منه كثير الاحتراس . هذا وأما الأمطار بمكة المشرفة فنادرة الوقوع ، وإن نزلت الأمطار بمكة فإنها تكون خفيفة جدا كالرشاش ، وقد تمر سنتان أو ثلاثة بدون أن تنزل الأمطار فيها بوجه يذكر ، وقد تنزل الأمطار بغزارة بعد بضع سنين ، وإذا مضت سنوات كثيرة نحو عشرين سنة فأكثر قد ينزل فيها مطر كثير غزير ويجري فيها سيل كبير لا ينساه الناس .
هذا هو واقع الحال في جو مكة المشرفة وهوائها ، وكثير من الناس يشكون من حرها ويظنون أنها لا توجد بلدة تمتثلها في الحرارة ، لكن بلغنا عن الفضلاء الثقات أن بعض الجهات النائية بمصر أشد حرارة من مكة كأسوان وجهات الصعيد ، وكذلك أن بغداد وبعض الجهات بالعراق أشد حرارة أيضا من مكة .
وذكر ابن بطوطة بصحيفة ( 5 ) من رحلته أن حر مدينة سيوستان بالسند شديد جدا . قال : فكان أصحابي يقعدون عريانين ، يجعل أحدهم فوطة على وسطه وفوطة على كتفيه مبلولة بالماء فما يمضي اليسير من الزمان حتى تيبس تلك الفوطة فيبلها مرة أخرى وهكذا أبدا . انتهى كلامه . واللّه أعلم بما هنالك من
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم — صفحة 239
مساهمون: محمد طاهر الكردي المكي ( خطاط )
ص٢٣٩