تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم — صفحة 235

مساهمون:

ص٢٣٥
وثامنا : ومما كانوا يمتازون به حقا المبادرة إلى طلب العلم ، فالمسجد الحرام يشهد لهم بحلقات الدروس في جميع الأوقات من ليل أو نهار والمدارس ممتلئة بأبنائهم يشتغلون بالعلوم الدينية أولا ثم بالعلوم الحديثة خصوصا بتجويد القرآن الكريم وحفظه وتلاوته ، وكان التعليم في جميع أنواع العلوم قويا متينا خالصا مخلصا لا ضعف فيه ولا تهاون وكم برع من أبناء هذه البلاد المقدسة في العلوم والفنون من غير ابتعاث إلى الخارج وكم وجدنا من المحسنين والأغنياء والفضلاء من يساعدون طلاب العلم ويقدّمون لهم المعونات الفعالة . ويشهد لكل ذلك من بقي من أهل جيلنا القديم . وتاسعا : إن أهل هذه البلدة الطاهرة كانوا جميعا كأنهم أسرة واحدة فإذا رأى أحدهم ابن جاره أو ابن صاحبه وقد فعل خطأ أو مشى في السوق بغير أدب خاصمه وغضب عليه كما يغضب على ابنه من صلبه والولد يخجل من نفسه ويغض نظره طاعة وحياء . وعاشرا : كانت المعاملات بينهم في غاية من الأمانة والوفاء وإن لم يكن بينهم شهود ولا سندات وكان بعضهم من أهل الدكاكين يدفع بعض الزبائن إلى جيرانه في الصباح الباكر ليشتري منهم ويقول لهم أنني قد بعت واستفتحت أما جاري فلان فإنه لم يستفتح فاذهبوا إليه لتستفتحوا لبعضكم خيرا إلى غير ذلك من الأمور المستحسنة الشريفة وهذا بالنسبة للغالب أما النادر الشاذ منهم فلا عبرة به . هكذا كانت أحوال أهل الحرمين والمدن القريبة منهم إلى سنة ( 1355 ) ألف وثلاثمائة وخمس وخمسين هجرية تقريبا ثم اختلف أحوالهم ورجعوا القهقرا من بعد هذه السنة المذكورة تدريجيا شيئا فشيئا وتطوروا تطورا عظيما وصاروا يقلدون الأجانب بسرعة فائقة وتحرروا من العادات القومية الطيبة وتهاونوا بأمور الدين والسبب في ذلك واللّه تعالى أعلم إقبال الدنيا عليهم إقبالا عظيما فكثرت أسفارهم إلى الخارج وكثر اختلاطهم بالأجانب وهاجر إليهم كثير من مختلف الأجناس وأقاموا بينهم وعاشروهم ، نعم هناك بعضهم محافظون على ديانتهم وأخلاقهم وعاداتهم الشريفة ولكنهم قليلون . فإذا تغيرت عاداتنا وأحوالنا ونحن أهل الحرمين الشريفين فإن البلاد الإسلامية الأخرى قد تغيرت أحوالهم وعاداتهم تغيرا عظيما شنيعا بل لقد تغيرت الدنيا كلها في هذا الزمن العجيب . وهذا مصداق قوله صلى اللّه عليه وسلم : « ما من عام إلا ينقص الخير فيه