تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم — صفحة 230

مساهمون:

ص٢٣٠
لتباع له . وكانت لقريش رحلتان تجاريتان رحلة الشتاء إلى جهة اليمن ورحلة الصيف إلى جهة الشام وكانوا يتعاملون بنقود الفرس والروم . 2 ) كان العرب على بساطة عيشهم يكرمون الضيف إكراما زائدا بدون تكلف ما أقام لديهم وقد تستقبل المرأة الضيف وتقدم له ما لديها من أطيب الطعام وزوجها غائب ، فإكرام الضيف عادة طبيعية فيهم ويندر فيهم الرجل البخيل ولبعض الكرماء الممتازين منهم نوادر وحكايات تستحق أن تكتب بماء الذهب . 3 ) كان العرب يمتازون عن الأجناس الأخرى بمكارم الأخلاق والصفات النبيلة والغيرة العجيبة والشهامة والبسالة . وكانوا يعرفون حرمة مكة والبيت الحرام ومكة المشرفة كما كانوا يحترمون الأشهر الحرم ومن ذلك كانوا ينصرون المظلوم بمكة ويأخذون حقه من الظالم . وواقعة حلف الفضول شهيرة في التاريخ وذلك أنه عندما رجعت قريش من حرب الفجار تداعوا لحلف الفضول فتحالفوا في دار عبد اللّه بن جدعان أحد رؤساء قريش ، تحالفوا وتعاقدوا أن لا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها أو من غيرهم من سائر الناس إلا قاموا معه حتى ترد إليه مظلمته ، ولقد حضر هذا الحلف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مع أعمامه قبل بعثته لأن هذا الحلف مما يقرّه الإسلام ويدعو إليه . وهذا هو التعاون على البر وفي هذا الحلف يقول النبي صلى اللّه عليه وسلم بعد أن بعثه اللّه إلى الناس كافة : « لقد شهدت مع عمومتي حلفا في دار عبد اللّه بن جدعان ما أحب لي به حمر النعم ولو دعيت به في الإسلام لأجبت » . فانظر رحمك اللّه هذا قريش يجتمعون في الجاهلية فيتعاقدون أن لا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها أو من غير أهلها من سائر الناس إلا نصروه وقاموا معه حتى ترد إليه مظلمته ، ونحن الآن ندّعي الإسلام ونتلوا كتاب اللّه ونحفظ أحاديث رسول اللّه ثم نرى الرجل يحيق به الظلم والمهانة ويغمط حقه جهارا نهارا فلا يقوم أحد منا لنصرته ولا للأخذ بيده فلا حول ولا قوة إلا باللّه . 4 ) وكانت للعرب نخوة وشهامة ومروءة واعتزاز ولسان صدق ووفاء بالوعد وسماحة وإغضاء ولا يرضى أحد منهم بالظلم والضيم ، فإن كان قويا أخذ حقه بنفسه وإن كان ضعيفا رحل من مكانه إلى جهة أخرى فأرض اللّه واسعة فضاها ، وفي هذا المعنى يقول بعض أهل الجاهلية وهو الشّنفرى في أول قصيدته التي تسمى « بلامية العرب » .