الأكل كانوا يسمونها باللغة التركية « قالدر قوي » أي « إرفع وضع » وباللغة العامية « شيل وحطّ » وهذه الكيفية في الأكل بطلت حتى من الأتراك منذ مدة طويلة أي منذ سنة ( 1335 ) ألف وثلاثمائة وخمس وثلاثين هجرية فلم يبق لها ذكر اليوم في جميع الممالك وصار جميع الناس يمدون سفرة الأكل ويضعون عليها جميع الأطعمة فيأكلون ما شاؤوا وهذا أهنأ وأبرك .
* ومن عاداتهم أنهم كانوا يذهبون في أول شهر رجب من كل عام إلى المدينة المنورة للزيارة ويستعدون لذلك قبل الموعد بمدة كافية وكانوا يذهبون بصورة فيها كثير من المرح والفرح والسرور والنشوة فكان في كل حارة من حارات مكة يجتمع من أراد السفر إلى المدينة المنورة للتشاور فيما يفعلونه وبماذا يستعدون من أدوات السفر وكانوا في هذه الرحلة الرجبية يسافرون على النياق والدلائل وعلى الحمير الجيدة الأصيلة حيث لم تكن السيارات موجودة ، وكانوا يطلقون على جمعيتهم التي تسافر إلى المدينة « الركب » بفتح الراء وسكون الكاف فيقال سافر الركب ورجع الركب .
وقبيل موعد سفرهم بأيام يقوم في كل محلة وحارة من يغنّي القصائد المهيّجة والمشوّقة للزيارة ومن ينشد المدائح النبوية لاستنهاض همم الناس لزيارة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فلا يأتي اليوم الموعود للسفر إلا وقد اجتمع طائفة من الناس في كل حارة للسفر ومع كل حارة راية خاصة وحاد خاص يحدو فيهم فيخرجون من مكة على الحمير المحملة بالأرزاق والفرش قبل السفر بيوم واحد إلى جهة الشهداء ومعهم المنشدون ينشدوهم القصائد والمدائح بصوت رخيم مشج مثير للشوق فإذا تكامل جمعهم في محلة الشهداء وهي على طريق عمرة التنعيم تحركوا بكامل جمعهم للسفر إلى المدينة ، وطول الطريق يسمعون النشيد والقصائد بما يخفف عنهم مشقة الطريق ووعثاء السفر فتكون الحمير في المقدمة وتكون الركايب والنياق في المؤخرة فيقطعون ما بين مكة والمدينة في ثمانية أيام أو تسعة ويذهبون من الطريق السلطاني عن طريق وادي فاطمة فعسفان . والمسافة بين مكة والمدينة بالجمال العادية اثنى عشر يوما ، فالنياق والحمير يكون مشيها أسرع من الجمال التي تمشي على هون .
ومن عادة الركب سواء سافروا على الحمير أو على الجمال أن يمشوا قبيل المغرب بساعة إلى أن يصلوا إلى محطة من محطات الطريق فينزلون فيها ويأكلون ويشربون
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم — صفحة 216
مساهمون: محمد طاهر الكردي المكي ( خطاط )
ص٢١٦