وقد اعتاد الشوام والمغاربة سكنى الجهة الشمالية من مكة زمن الموسم ، والأفغان والسليمانية ( أهالي قندهار ) في الجهة الشمالية الشرقية ، والهنود والجاوة في الجهة الشمالية الغربية ، واليمن والتركستان والداغستان في المسفلة والعجم في شعب علي ، وما سوى ذلك في وسط المدينة . وأهالي مكة يبلغ عددهم على وجه التقريب نحو 150 ألف شخص منهم خمسون ألفا من الأهالي والباقون من الأغراب كما تراه في الجدول الآتي :
( 50 ) ألف أهالي ، ( 25 ) ألف أعراب وغالبهم حجازيون ويمنيون وحضارم - من سكان حضرموت - ( 20 ) ألف بخاريون ، ( 12 ) ألف هنود ، ( 15 ) ألف جاوه ، ( 10 ) آلاف سليمانية وأفغان ، ( 5 ) آلاف شوام ، ( 5 ) آلاف مغاربة ، ( 8 ) آلاف أجناس مختلفة ، المجموع : ( 150 ) ألف .
وأغلب هؤلاء الأغراب يشتغلون بالأمور المالية وخصوصا التجارية لذلك نبّه أمرهم وأصبحت مالية البلاد في أيديهم .
ثم قال البتنوني بعد أن ذكر البيوتات القديمة ما نصه : ومن اختلاط هذه الأجناس بعضهم ببعض بالمصاهرة أو المعاشرة صار سواد أهل مكة خليطا في خلقهم فتراهم قد جمعوا إلى طبائعهم وداعة الأناضولي وعظمة التركي واستكانة الجاوي وكبرياء الفارسي ولين المصري وصلابة الشركسي وسكون الصيني وحدّة المغربي وبساطة الهندي ومكر اليمني وحركة السوري وكسل الزنجي ولون الحبشي ، بل تراهم جمعوا بين رفه الحضارة وقشف البداوة : فبينما ترى الرجل منهم قد آنسك برقة حديثه معك وضعته بين يديك إذ هو قد استوحش منك وأغلظ في كلامه حتى كأن طبيعة البداوة تغلّبت فيه على طبيعة الحضارة فلم يطق ما تكلّفه في حضرتك .
وقد وصل هذا الخلط في أزيائهم التي تراها مجموعة مختلطة من أزياء البلاد الإسلامية : عمامة هندية ، وقفطان مصري ، وجبة شامية ، ومنطقة تركية فيها خنجر تراه على الخصوص في حزام الأشراف مفضضا أو مذهبا بشكل جميل جدا ، وكثيرا ما يكون مرصّعا بالأحجار الكريمة . ومع هذا فقد ترى الرجل الصانع الفقير يلبس القميص وعلى ياقته الظرافة المشغولة بالحرير وعلى رجل سراويله شيء يشبه الركامة وهو حافي الرجل - مثلا - غير أنك تلاحظ ذلك في طبقة الأشراف التي ترفّعت عن هذا الخليط فلم يدخل في مادتهم غريب ولم يتغلّب عليهم خلق جديد
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم — صفحة 176
مساهمون: محمد طاهر الكردي المكي ( خطاط )
ص١٧٦