تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم — صفحة 175

مساهمون:

ص١٧٥
بإطعام الفقراء المنقطعين المجاورين ويستدعيهم بتلطف ورفق وحسن خلق ثم يطعمهم ، وأكثر المساكين المنقطعين يكونون بالأفران حيث يطبخ الناس أخبازهم فإذا طبخ أحدهم خبزه واحتمله إلى منزله فيتبعه المساكين فيعطي لكل واحد منهم ما قسم له ولا يردهم خائبين ولو كانت له خبزة واحدة فإنه يعطي ثلثها أو نصفها طيب النفس بذلك من غير ضجر . ومن أفعالهم الحسنة أن الصغار يقعدون بالسوق ومع كل واحد منهم قفتان : كبرى وصغرى وهم يسمون القفة مكتلا فيأتي الرجل من أهل مكة إلى السوق فيشتري الحبوب واللحم والخضر ويعطي ذلك للصبي فيجعل الحبوب في إحدى قفتيه واللحم والخضر في الأخرى ويوصل ذلك إلى دار الرجل ليهيأ له طعامه منها ويذهب الرجل إلى طوافه وحاجته ، فلا يذكر أن أحدا من الصبيان خان الأمانة في ذلك قط بل يؤدي ما حمل على أتمّ الوجوه ولهم على ذلك أجرة معلومة من فلوس . وأهل مكة لهم ظرف ونظافة في الملابس وأكثر لباسهم البياض فترى ثيابهم أبدا ناصعة ساطعة ، ويستعملون الطيب كثيرا ويكتحلون ويكثرون السواك بعيدان الأراك الأخضر ، ونساء مكة فائقات الحسن بارعات الجمال ذوات صلاح وعفاف وهن يكثرن التطيب حتى أن إحداهن لتبيت طاوية وتشتري بقوتها طيبا ، وهن يقصدن الطواف بالبيت في كل ليلة جمعة فيأتين في أحسن زي وتغلب على الحرم رائحة طيبهنّ وتذهب المرأة منهنّ فيبقى أثر الطيب بعد ذهابها عبقا ، ولأهل مكة عوائد حسنة وغيرها سنذكرها إن شاء اللّه تعالى إذا فرغنا من ذكر فضائلها ومجاوريها . ثم قال ابن بطوطة بعد صحيفة واحدة : وأهل مكة لا يأكلون في اليوم إلا مرة واحدة بعد العصر ويقتصرون عليها إلى مثل ذلك الوقت . ومن أراد الأكل في سائر النهار أكل التمر ولذلك صحّت أبدانهم وقلّت فيهم الأمراض والعاهات . انتهى من رحلة ابن بطوطة . وقال البتنوني الذي حج سنة ( 1327 ) في كتابه « الرحلة الحجازية » ما نصه : ويقصد مكة زمن الحج أنواع العالم الإسلامي من جميع أطراف المسكونة فترى بها الأزياء المتباينة والسحن المختلفة حتى ليجدر بها أن تسمّى بالمعرض الإسلامي . ولقد رأيت فيها رجلا يابانيا من كبار قواد اليابان قد أسلم وقدم إليها لتأدية فريضة الحج .
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم — صفحة 175 | محمد طاهر الكردي المكي ( خطاط )