نقول : لقد رغب كثير من الأنبياء والعلماء والصالحين في الموت بالأراضي المقدسة ولقد كان النبي فيما تقدم إذا آمن به نفر من قومه يترك قومه ببلده ويأتي إلى مكة بمن آمن به يعبد اللّه تعالى حتى يأتيه اليقين ولذلك دفن حول الكعبة كثير من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، فقد روى سفيان الثوري عن عطاء بن السائب عن أبي سابط أنه قال : بين الركن والمقام وزمزم قبر تسعة وتسعين نبيا وأن قبر هود وشعيب وصالح وإسماعيل عليهم السلام في تلك البقعة . اه . واللّه تعالى أعلم بذلك .
فإن قيل : لماذا لا يذهبون إلى المدينة أيضا للتعبد وهي ثاني الحرمين ؟
نقول : إن المدينة المنورة لم تكن معروفة قبل « نبينا محمد » صلى اللّه عليه وسلم وما اشتهر فضلها إلا بعد أن هاجر إليها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ودفن بها ، أما مكة فهي معروفة من قديم الأزمان لوجود بيت اللّه فيها .
وعلى سبيل الاستدلال : نذكر ما ورد في طلب الموت بالأراضي المقدسة فنقول وباللّه التوفيق وعليه التكلان :
جاء في كتاب الأذكار للإمام النووي رحمه اللّه تعالى ما يأتي : روينا في صحيح البخاري عن أم المؤمنين حفصة بنت عمر رضي اللّه عنهما قالت : قال عمر رضي اللّه عنه : اللهم ارزقني شهادة في سبيلك واجعل موتي في بلد رسولك صلى اللّه عليه وسلم . فقلت : أنّى يكون هذا ؟ قال : يأتيني اللّه به إذا شاء . انتهى .
نقول : وقد استجاب اللّه تعالى دعاء عمر رضي اللّه عنه فرزقه الشهادة حيث قتل وهو في صلاة الصبح وجعل موته في بلد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أي في المدينة حيث دفن بجوار صاحبيه ، وهل يوجد جوار أفضل من هذا الجوار ؟ نقول : وليس ببعيد على كرم اللّه تعالى أن يبعث من قبر بمكة آمنا يوم القيامة لأنه تعالى يقول في كتابه العزيز :
وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً
فإذا كان الداخل إلى الحرم يكون آمنا من كل ما يخافه وهو حي يرزق .
وهذه الميزة خاصة بالحرمين الشريفين بل حتى بيت المقدس ولهذا طلب كليم اللّه موسى عليه الصلاة والسلام من ربه عز وجل حين الموت أن يدنيه من الأرض المقدسة ولو برمية حجر ، فقد جاء في صحيح البخاري في كتاب الجمعة في باب الجنائز في باب من أحب الدفن في الأرض المقدسة أو نحوها عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : أرسل ملك الموت إلى موسى عليهما الصلاة والسلام ، فلما جاء