تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم — صفحة 52

مساهمون:

ص٥٢
فاستراح قليلا ، ثم سار وبجانبه أبو بكر يحادثه وهو يقرأ سورة الفتح حتى بلغ البيت ، وطاف سبعا على راحلته واستلم الحجر بمحجنه ، وكان حول الكعبة إذ ذاك ثلاثمائة وستون صنما فجعل عليه السلام يطعنها بعود في يده ويقول : جاء الحق وزهق الباطل وما يبدئ الباطل وما يعيد ، ثم أمر بالآلهة فأخرجت من البيت وفيها صورة إسماعيل وإبراهيم في أيديهما الأزلام فقال عليه السلام : " قاتلهم اللّه لقد علموا ما استقسما بها قط " . وهذا أول يوم طهرت فيه الكعبة من هذه المعبودات الباطلة ، وبطهارة الكعبة المقدسة عند جميع العرب باديها وحاضرها من هذه الأجناس ، سقطت عبادة الأوثان من جميع بلاد العرب إلا قليلا . وقد بسطنا الكلام على فتح مكة المشرفة ، إنما أتينا بهذه النبذة كمقدمة لما سيأتي من الكلام لمداخل مكة ، وإليك تفصيل ذلك ، فنقول وباللّه تعالى التوفيق : جاء في تاريخ الأزرقي عن مجاهد أنه قال : وجد في بعض الزبور " أنا اللّه ذو بكة جعلتها بين هذين الجبلين وصغتها يوم صغت الشمس والقمر وحففتها بسبعة أملاك حنفاء ، وجعلت رزق أهلها من ثلاثة سبل فليس يؤتى أهل مكة إلا من ثلاث طرق ، من أعلى الوادي وأسفله وكداء وباركت لأهلها في اللحم والماء " . انتهى من الأزرقي . وقال القطبي في تاريخه : ومكة شرفها اللّه تعالى ، تحيط بها جبال لا يسلك إليها الخيل والإبل والأحمال إلا من ثلاث مواضع ، أحدها من جهة المعلاة ، والثانية الشبيكة ، والثالثة من المسفلة ، وأما الجبال المحيطة بها ، فيسلك من بعض شعابها الرجال على أقدامهم ، لا الخيل والجمال والأحمال . انتهى من القطبي . نقول : إن اللّه تعالى لما أحاط بلده الأمين " مكة " بالجبال الشامخات ، جعل لها من أصل الخلقة ثلاث طرق عامة يدخل الناس منها بدوابهم وأحمالهم ، ولا زالت هذه الطرق العامة مستعملة مطروقة إلى اليوم ، فيأتي إليها الناس ركبانا ومشاة من طريق الطائف من أعلاها وهي جهة المعلاة ، ويأتون إليها أيضا من طريق اليمن من أسفلها وهي جهة المسفلة ، ويأتون إليها أيضا من طريق جدة من جهة الشبيكة . فهذه ثلاث طرق أصلية لا زالت مستعملة من قديم الأزل إلى اليوم ، ويمكن أيضا الوصول إلى مكة من جميع جهاتها ، بتسلق الجبال والمشي بين الشعاب الملتوية ، لكن ذلك يستلزم المشقة والتعب الشديد ، وربما ضل السائر طريقه فهلك من العطش والتعب .