فأخذته منها وتوجهت به إلى المدينة لزيارة أخوال أبيه ، وبينما هي عائدة إلى مكة أدركتها منيتها في الطريق فماتت بالأبواء ، فحضنته « أم أيمن » وكفله جده عبد المطلب وكان يحبه أشد الحب ، فلما بلغ عمره ثماني سنوات مات جده عبد المطلب ، فكفله عمه شقيق أبيه « أبو طالب » فكان يحبه ويكرمه إكراما عظيما ، وحينما بعثه اللّه تعالى إلى الناس كان أبو طالب يحوطه بالرعاية وينصره ويحميه من كفار قريش ، ثم لما بلغ صلى الله عليه وسلم نحو تسع وأربعين سنة وبضعة أشهر مات عمه أبو طالب .
إن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقد والديه في صغره ولم يرث منهما شيئا ، ولما كبر وقدر على العمل صار يرعى الغنم لأهل مكة على قراريط كما ذكره البخاري في صحيحه ، ثم بعد ذلك صار يتجر وكان شريكه في التجارة السائب بن أبي السائب ، وذهب إلى الشام بالتجارة لخديجة ، رضي اللّه تعالى عنها ، ولما رأت خديجة أمانته وبركته وما امتاز به من الكمال والفضل والأخلاق اختارته زوجا وخطبته لنفسها ففازت بسعادة الدارين .
وقد امتن اللّه عز وجل عليه بما اختصه به وأنعم عليه في سورة الضحى بقوله :
وَالضُّحى * وَاللَّيْلِ إِذا سَجى * ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَما قَلى * وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولى * وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضى * أَ لَمْ يَجِدْكَ يَتِيماً فَآوى * وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى * وَوَجَدَكَ عائِلًا فَأَغْنى * فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ * وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ
.
هذه السورة الكريمة فيها كثير من المسائل ، وفيها شفاء لصدور العلماء والصالحين ممن زوى اللّه عنهم الدنيا ، ولا نريد شرح ذلك خوفا من الخروج مما نحن بصدده ، وهو لا يخفى على المتأمل الذكي واللبيب العاقل .
فانظر رحمك اللّه تعالى إلى حال من ذكرناهم من الأنبياء الأربعة وهم « إسماعيل ، وموسى ، وعيسى ، ومحمد » عليهم الصلاة والسلام ، تجد أن اللّه تعالى وكل أمر تربيتهم وهم صغار إلى أمهاتهم ، ثم كانوا في شظف من العيش وحالة من الفقر بحيث كانوا يرعون الغنم لأهل بلدتهم ، بل ما من نبي إلا وقد رعى الغنم كما هو ثابت في صحيح البخاري ، لأن في رعيها جملة أمور :
( 1 ) منها : البعد عن الخلق في طلبهم الرعي في البراري والقفار ، وبذلك يأنسون إلى الوحدة فيعبدون اللّه تعالى بطمأنينة وراحة قلب ، ويتفكرون في خلق