لما كان المال من زينة الحياة الدنيا ، والدنيا بنفسها دار لهو وغرور ، صار الأغنياء وأولادهم منغمسين في الشهوات ، متنعمين بما لديهم من الملذات ، وكانت أفكارهم محصورة في استثمار الأموال وإنفاقها في لهوهم فنقول :
وأما الفقراء فليس لديهم من المال والدنيا ما يلهيهم ويشغلهم ، فإذا ما وجدوا القوت الضروري حمدوا اللّه تعالى وسكنوا إلى الراحة وخلوا بأنفسهم ، فإذا طرأ على بال أحد منهم أمر ، وجد في نفسه فراغا ونشاطا لبحث هذا الأمر من جميع نواحيه ، فإذا اتجهت نفسه للعلم تفرغ له ، وإذا اتجهت للفنون الجميلة أشبع رغبتها ، وإذا اتجهت إلى اختراع ما ينفع الإنسانية انقطع إليه ، حتى إذا استكمل بغيته وبلغ أمنيته إذا به في مصاف النبغاء والعظماء .
نعم إننا لا ننكر أن بين الأغنياء نوابغ في العلوم والفنون ، ولكن ذلك قليل ونادر والنادر لا حكم له ، قال الشاعر :
ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا * وأقبح الكفر والإفلاس في الرجل
على أن بعض الأغنياء قد نبغوا في ناحية استثمار أموالهم ، ونهضوا بأعمال تعود بالنفع إلى أمتهم وقومهم ، كإنشاء المصانع ، وافتتاح البنوك ، وقيام الشركات ، وتوسيع تجارتهم بمختلف أنواعها ، فهؤلاء أيضا لهم قيمتهم ومكانتهم التي لا تنكر ، ويعدون أيضا من أفذاذ الرجال .
نسأل اللّه تعالى أن يزيد في الأمة الإسلامية من الرجال العاملين والعمال المخلصين ، حتى تزدهر بهم الحياة الدنيا ، فإن الدنيا مزرعة الآخرة ، وقد قال سبحانه :
وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَأَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ
.
الكلام على زمزم وخروجه لإسماعيل وأمه عليهما الصلاة والسلام
لما كان ماء زمزم بمكة المشرفة ، من أقدم المياه ، وكان عند الكعبة في حد المسجد الحرام بينهما بضعة أمتار ، وكان هو شراب الأنبياء والأصفياء والأبرار ، وقد جاءت في فضله عدة أحاديث ، « بأنه طعام طعم وشفاء سقم وهو لما شرب له » بل وضع فيه بعض المؤلفات منها ( رسالة الجوهر المنظم في فضائل ماء زمزم ) تأليف العلامة الشيخ أحمد بن محمد بن شمس الدين المكي ، رحمه اللّه تعالى ،