وقد كان بناء إبراهيم للكعبة من خمسة جبال من طور سينا وطور زيتا ولبنان والجودي وحراء ، وكانت الملائكة تأتيه بالحجارة من تلك الجبال ، فكان هو يبني وإسماعيل يناوله الحجارة فبناها على أساس آدم ، وهذا الأساس حجارته من جبل حراء ، كانت الملائكة تأتي بها وتقذف فيه وهو المسمى « بالقواعد » ، وقد جعل إبراهيم عليه السلام ، للكعبة ركنين فقط : الركن الأسود والركن اليماني ، ولم يجعل لها أركانا من جهة الحجر بل جعلها مدورة على هيئة نصف دائرة كجدار الحجر وجعل الحجر إلى جانبها عريشا من أراك تقتحمه غنم إسماعيل ، فكان زربا لغنمه . وجعل الباب لاصقا بالأرض وغير مبوب وجعل ارتفاعها من الأرض إلى السماء تسعة أذرع ، وجعل عرض جدار وجهها الذي فيه الباب اثنين وثلاثين ذراعا ، وعرض الجدار المقابل له إحدى وثلاثين ذراعا ، وعرض الجدار الذي فيه الميزاب جهة الحجر اثنين وعشرين ذراعا ، وعرض الجدار المقابل له عشرين ذراعا ، وما ذكره صاحب كتاب تاريخ الكعبة المعظمة بأن إبراهيم عليه السلام ، جعل لها أبوابا ، هو وهم منه ، والصواب أنه جعل لها بابا واحدا فقط كما يظهر ذلك عند التأمل في كتب التاريخ .
وقد يتساءل بعضهم : لماذا بنى إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام ، الكعبة المعظمة بالرضم من غير طين ولا جص ؟ ولم يجعل لها سقفا وبابا من الخشب أو غيره ؟ ولم يجعل لها بابين أحدهما للدخول والآخر للخروج ؟ ولم جعل حجر إسماعيل مدورا وجعله من شجر الأراك ولم يبنه بالرضم ؟ ولماذا لم يكس البيت الحرام بعد الفراغ من بنائه ؟
فالجواب : واللّه تعالى أعلم بالصواب : هو أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام بنى الكعبة الغراء بالرضم من غير طين ولا جص ومن غير سقف ولا باب ، لأن ذلك العصر القديم لم يكن فيه شيء من وسائل البناء وأسباب الحضارة . فمن أين يأتي بالأدوات الحديدية والآلات المختلفة لحفر الأرض وخلط الطين ونشر الخشب ودق المسامير ؟
وما دام لم يكن بمكة سوى إبراهيم وابنه عليهما الصلاة والسلام ، ونفر من قبيلة جرهم ، وما دام باطن الكعبة ترابا ، وجدرانها من حجارة الصخور ، فلا لزوم لعمل سقف لها ولا لعمل باب يغلق عليها ، كما لا لزوم لعمل مدخلين فيها للدخول وللخروج لقلة السكان بمكة .
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم — صفحة 483
مساهمون: محمد طاهر الكردي المكي ( خطاط )
ص٤٨٣