ذلك أنه كان تحت أمر زوجته سارة خاضعا لإرادتها كما يخضع أهل زماننا لزوجاتهم في كل شيء ، فإن ذلك لا يجوز عليه ، فالأنبياء عليهم الصلاة والسلام منزهون عن الخضوع والطاعة لزوجاتهم لمجرد الهوى وحب النفس ، وبالأخص خليل اللّه الذي أعطي النظر في ملكوت السماوات والأرض ، وإنما كان استئذانه منها لزيارة ابنه إسماعيل وأمه هاجر لأمور أربعة :
( الأول ) : أن بينه وبين زوجته سارة صلة قرابة وكانت ذات دين وحسب .
( الثاني ) : أن هاجر كانت أمة مملوكة لسارة فوهبتها لزوجها إبراهيم فدخل بها فحملت منه بإسماعيل .
( الثالث ) : لما ولدت هاجر إسماعيل اشتدت غيرة سيدتها سارة منها ؛ لأنها لم تكن قد ولدت بعد ، وهذا أمر طبيعي في جميع النساء ، فطلبت من زوجها أن يبعدها عنها ، فأمره اللّه تعالى أن ينقل هاجر بابنها إسماعيل إلى مكة .
( الرابع ) : أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، لعلى خلق عظيم وشمائل سامية ، وفي الحديث الشريف : « خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي » فليس من اللائق أن يزور إبراهيم عليه السلام ولده إسماعيل وأمه هاجر بمكة من غير أن يخبر بذلك زوجته سارة التي هي سيدة هاجر وهي التي وهبتها له . فهذه الأمور مما يدعو إبراهيم عليه السلام إلى جبر خاطر زوجته بالاستئذان منها للزيارة .
ثم إن سارة الكثيرة الغيرة من أمتها لا تلام إذا اشترطت على زوجها ، في زيارته لها ولولدها بمكة ، أن لا ينزل من البراق بل يكتفي برؤيتهما ليطمئن عليهما ثم يرجع من ساعته ، وسارة كانت واثقة تمام الثقة من وفاء زوجها بما اشترطته عليه ، ولا يبعد أن يكون كل ذلك بأمر اللّه عز وجل بدليل أن هاجر ما كانت تتألم وتشكو من هذه المعاملة ، ونبي اللّه إبراهيم ما كان يتبرم من سارة لقسوتها على أمتها هاجر ، وجبريل الذي يدله على الطريق بالبراق ويلازمه في سفره ذهابا وإيابا ما كان ليأمره بمخالفة زوجته سارة واللبث عند هاجر ولو يوما واحدا ، فحالات الأنبياء لا تقاس على أحوالنا ، ولقد كانت عاقبة صبر هاجر محمودة ، فجاءها خير كثير ، والظاهر ، واللّه تعالى أعلم بالغيب ، أن سارة كانت تخشى إن نزل زوجها عند هاجر أن يقربها فتحمل منه ثانيا فتلتهب سارة غيرة منها ، ومن هنا يفهم أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لم يقرب هاجر منذ أن أسكنها مكة واللّه أعلم ، على أنه دام الاشتراط عليه حتى بعد وفاة هاجر فما كان ينزل عند
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم — صفحة 464
مساهمون: محمد طاهر الكردي المكي ( خطاط )
ص٤٦٤