ويوجد قبلي الجاولية مطبخ تطهى فيه أكلة الدشيشة لزوار الخليل ، عليه الصلاة والسلام ، وعلى باب المطبخ تدق الطبلخانة ( الطبول ) في كل يوم بعد صلاة العصر عند مد السماط الكريم ، وهذا السماط من عجائب التقاليد إذ يفد إليه سكان البلدة وضيوفها ، ويصنع فيه خبز يوزع يوميا ثلاث مرات : الأول في الصباح الباكر ، والثانية بعد الظهر ، والثالثة بعد العصر .
وقد تقدم القول أن الأصل في هذا السماط ودق الطبول لدعوة الناس إليه ، إذ أن إبراهيم صلى الله عليه وسلم ، كانت تفد إليه جموع الضيافة من كل مكان ، فيصنع لهم الطعام ويوزعهم على عدة منازل للإقامة فيها ، فإذا حان وقت تناول الطعام دقت لهم الطبول إشعارا لهم بأن الطعام مهيئا للضيوف في رحابه الفسيحات صلى الله عليه وسلم .
انتهى كل ذلك من كتاب أبي الأنبياء إبراهيم الخليل ، عليه الصلاة والسلام .
نقول : إن ما ذكره من وجود إبراهيم الخليل ، عليه الصلاة والسلام ، ومن معهم من الأنبياء ، عليهم الصلاة والسلام ، في المغارة غير بعيد الوقوع مطلقا ، فإنا قد شاهدنا في زماننا هذا وسمعنا كثيرا عن وجود بعض أمواتنا في قبورهم بكامل أجسادهم وأكفانهم لم يمسهم البلاء ، نعم إن الكثير والغالب من الأموات يفنون بعد مدة من دفنهم حتى لا يبقى لهم أي أثر ، واللّه سبحانه وتعالى أكرم من أن يسلط على أجساد أنبيائه وأصفيائه من العلماء العاملين والعباد المخلصين الأرض والأرضة .
فقد جاء في كتاب « وفاء الوفاء » وروى البخاري في الصحيح من حديث هشام بن عروة عن أبيه قال : لما سقط عنهم الحائط زمان الوليد بن عبد الملك أخذوا في بنائه ، فبدت لهم قدم ، ففزعوا وظنوا أنها قدم النبي صلى الله عليه وسلم ، فما وجدوا أحدا يعلم ذلك ، حتى قال لهم عروة : لا واللّه ما هي قدم النبي صلى الله عليه وسلم ، ما هي إلا قدم عمر .
ويستفاد مما تقدم أن السبب في هذا البناء سقوط الجدار المذكور بنفسه ، ولعله بسبب المطر المشار إليه في الرواية المتقدمة ، ويخالفه ما رواه أبو بكر الآجري من طريق شعيب بن إسحاق عن هشام بن عروة قال : أخبرني أبي قال : كان الناس يصلون إلى القبر ، فأمر به عمر بن عبد العزيز فرفع حتى لا يصل إليه أحد ، فلما هدم بدت قدم بساق وركبة ، ففزع عمر بن عبد العزيز ، فأتاه عروة فقال : هذا ساق عمر وركبته ، فسري عن عمر بن عبد العزيز ، انتهى من الكتاب المذكور .
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم — صفحة 459
مساهمون: محمد طاهر الكردي المكي ( خطاط )
ص٤٥٩