ولا رحمة ، وربما بلغ بهم الأمر إلى تغيير طريق الماء على القافلة لغرض شنيع ، وهو أن ركابها يموتون عطشا ، فيستولون على متاعهم .
وفي هذه الصحراء قبر العارف باللّه أبي الحسن الشاذلي قرب مكان يقال له ( أمتان ) ، توفي فيه سنة 656 في طريقه من المغرب الأقصى إلى الحجاز ودفن به .
وأهل هذه الجهة يعملون له مولدا سنويا من أول ذي الحجة إلى التاسع منه ، ويقصد زيارته في هذا المولد كثير من أهل الصعيد ، والعربان المغاربة .
وكان الحجاج يقيمون في عيذاب أو القصير نحو شهر من الزمان في انتظار الفلايك التي تحملهم إلى جدة ، ويسمونها جلابا ( واحدتها جلبة ) ، وهي سفن صغيرة غير محكمة الصنع ، وشراعها في الغالب من الحصير . وكان أصحابها يتعسفون بالحجاج ، فيشحنونها بأكثر من حمولتها ، وكثيرا ما كانت تغرق في وسط البحر بمن عليها من الحجيج ، الذين يذهبون ضحية مطامع أولئك الأشرار ، ومن وصل به طول عمره إلى جدة ، وصلها في نحو أسبوعين ، يتقلب في أثنائها بين تحكم الملاح ، وتبرم الرياح ، وانزعاج الماء واضطراب الهواء .
ولقد حج من هذه الطريق ابن جبير الأندلسي سنة 579 ، فقطع المسافة بين القاهرة وجدة في نحو شهرين ونصف ، قضاها في أسوأ حال ، بين مشقات وأهوال ، مما هو مبين في رحلته ، وفي سنة 725 سافر ابن بطوطة من مصر إلى عيذاب ، ولكنه لم يجد فيها مركبا تحمله إلى جدة مع من قصدها من الحجاج ، لأن السفن التي كانت بمينائها أحرقت في واقعة حصلت هناك بين الترك وعرب البجاه ، فعاد منها إلى مصر ، ومنها إلى بلاد الشام ، ثم إلى بغداد وسافر منها مع المحمل العراقي في السنة التالية . وكان يسكن في هذه القرية ( عيذاب ) حاكمان :
حاكم بدوي من طرف شيخ قبائل الباجة ، وآخر تابع لحاكم مصر وكانا يأخذان عوائد مرور عشرة جنيهات عن كل حاج مغربي ، وسبعة على الحجاج الآخرين ، ويقتسمان ما يتحصل بينهما وبين أمير مكة ! ! واستمرت هذه المكوس حتى أبطلها صلاح الدين الأيوبي في سنة 590 ، زمن الشريف مكثر بن عيسى ، ورتب له شيئا عوضا عن نصيبه ، ثم أعادها الأشراف من بعده على الداخلين من الحجاج إلى مكة ، حتى ألزم الملك الناصر محمد بن قلاوون الشريف عطيفة بن أبي نمي سنة 721 بإبطالها ، في نظير ما رتبه إليه من القمح الذي كان يحمل إليه من مكة كل سنة .
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم — صفحة 327
مساهمون: محمد طاهر الكردي المكي ( خطاط )
ص٣٢٧