تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم — صفحة 280

مساهمون:

ص٢٨٠
والمصريون في مراسلاتهم . وكان لمصر ، وخصوصا زمن الأيوبيين والفاطميين مصلحة للرسائل ، وكان بها في كل جهة بيت للحمام ، وكله غريب من جهات متعددة ، فكانوا إذا أرادوا إرسال مكتوب إلى أي مكان ، أرسلوه على جناح حمامة مأخوذة من هذه الجهة . إلا أنهم كانوا يرسلون الخبر من صورتين على حمامتين بعد الذي حصل في حصار الفرنجة لعكا ، ذلك أن المسلمين في عكا ، أرسلوا رسالة إلى صلاح الدين الأيوبي بواسطة حمامة من حمامهم فتتبعها طير جارح وضربها ، فسقطت في معسكر العدو الذي عرف منها مواقع الضعف من عدوه . ولعلك تذكر لما نزل لويس التاسع ملك فرنسا إلى دمياط سنة 1270 م ، وسار بجنده إلى المنصورة ، أخذ ملك مصر الملك الكامل خبره بواسطة الحمام الزاجل ، فسير إليه جيوشه لوقفه فأوقفه عند حده ، وكان ما كان من انهزام جنوده عند المنصورة ، وأسر لويس وسجنه بها ، إلى أن تم الصلح بينه وبين ملك مصر ، فأطلقه وسافر إلى تونس ومات بها . وفي حبسه يقول بعضهم :
قل للفرنسيس وإن أنكروا * حبس لويس في مقال صحيح دار ابن لقمان على حالها * والقيد باق والطواشي صبيح
والحمامة تقطع في طيرانها من سبعين إلى ثمانين كيلو مترا في الساعة ، ولها صبر على الجوع جملة أيام ، ولكنها لا تصبر على العطش . وكان لهذا الحمام في حصار ألمانيا لباريس ، بين سنتي 1870 و 1871 أكبر فضل في ربط أجزاء المملكة الفرنساوية بعاصمتها . وربما كانت هذه الحكومات قد قضت أن لا يمس جنس الحمام بسوء ، حتى لا يكون نوع الزاجل منه عرضة لأذى الصيادين وخلافهم ، فيؤدي مأموريته وهو في غاية الهدوء والطمأنينة . ولقد كان عباس باشا الأول ، والي مصر ، رجع إلى تربية هذا الحمام واستكثر من أنواعه . ولكنه مات ، رحمه اللّه ، قبل أن يتم غرضه . وأخذ بعض ذوات القاهرة عنه هذه الفئة ، ولكنهم اختصروا على تربيته وتطييره في محيط ديارهم ، وقد يعلمه بعضهم الصبر على الطيران حتى إذا التحم بحمام غريب طار معه إلى أن تنفذ قواه ، ثم يرجع به إلى صاحبه ، الذي يكون فرحه به لا يقدر . وللحمام عندهم أسماء مختلفة فمنها : الجزغندي ، والريحان ، والمزرزر ، والقزازي ، والأبلق ، والعنبري ، والفزار ، والعشاقي وغيرها ، إلا أن هذه الفئة لم تقف عند أفنية الأغنياء