الأروام الآن في طرقات مصر ، فيأتون للحمام بطبق فيه جملة أوراق مطوية مكتوب فيها شيء من الخير والشر ، فتأتي الحمامة وتستخرج بمنقارها واحدة يكون منها فألهم ، ويسمون هذه الحمامة باك - كوب - بن ، يعني الحمامة ذات الورقة البيضاء .
ولقد كان الحمام عند الساميين هو الحيوان المقدس للإله غشطورت ، وكان عند الفنيقيين واليونانيين والسوريين يمثل السماء والنجوم . وأظن أن احترامه عند العرب في الجاهلية لم يأت إلا من هذا الطريق . ولذلك كانوا يضعون تمثال حمامة داخل الكعبة بجوار تمثال هبل . ولقد ورد في سيرة ابن هشام عن صفية بنت شيبة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزل مكة بعد الفتح وطاف بالبيت ، دعا عثمان بن طلحة وأمره بفتح الكعبة ، فلما دخلها ، وجد فيها حمامة من عيدان ، فكسرها بيده ثم طرحها . على أنا لو صرفنا النظر عن كون الحمام لطيفا في شكله ، أنيسا في نوعه ، جميلا في صورته ، نظيفا في لباسه ، يمثل في عائلته المحبة الحقيقية والشفقة الحسية ، فإنا نرى فيه درسا عائليا كبيرا ، نرى الذكر منه مع أنثاه يعملان لحياتهما وحياة عائلتهما عمل المجدين المجتهدين ، حتى إذا فرغا من واجبهما الأهلي تفرغا إلى حياتهما الزوجية ، فتراهما بين توامق وتعاشق وتعانق ، لا ينفصلان إلا ليتصلا ولا يفترقان إلا ليجتمعا ، في جلابيب جمال ، وأساليب دلال ، مما لا يرى له مثال ، في زوجين من غير نوعهما على كل حال ، على أن الحمام له على الإنسان خدمة تذكر فتشكر : فقد كان من القرن الثامن قبل المسيح إلى منتصف القرن التاسع عشر يؤدي وظيفة التلغراف بين الأمم المختلفة ، حتى أعلن مرسي ووطسون سنة 1844 م تلغرافهما الكهربائي ، الذي لا يشك أحد في أنه أفاد العالم بأسره فائدة جسيمة ، وكان من أكبر الأشياء التي ساعدت على التمدن العصري وانتشاره بسرعة ، ولكن هل هذه الفوائد الجسام تنسينا فضل ذلك الحمام ؟
ولتكملة الفائدة نقول لك : إن أول من استعمل الحمام في الزجل ، هو رجل من جزيرة أوجين ( من جزر اليونان ) ، أتى في سنة 776 قبل المسيح إلى آثينا ليحضر الألعاب الأولمبية ، واستحضر معه حمامة كانت عنده أخذها من بين أفراخها . فلما برز في هذه الألعاب أرسل الحمامة فذهبت إلى عشها ، وفي قدومها علم أهل الرجل بنجاحه في مأموريته . ومن ثم استعمله اليونان والرومان والعرب
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم — صفحة 279
مساهمون: محمد طاهر الكردي المكي ( خطاط )
ص٢٧٩