على نوع الحمام ، بل كل حيوان دخل الحرم فهو آمن ، حتى ذهب بعضهم إلى عدم قتل الحية أو العقرب في الحرم ، احتراما له وإكراما لها فيه . وانفراد الحمام بوجوده في الحرم لا أظنه إلا لسهولة أنسه ، وقلة جفائه . ومن أغرب ما يروى عنه أنه مع كثرته في الحرم ، لم يشاهد منه شيء على الكعبة إلا نادرا جدا . وفي الجهة الشرقية من مكة ، تحت جبل أبي قبيس ، بئر يقال لها بئر الحمام ، يجتمع عندها كثير منه ليشرب بحرية ، ثم يذهب إلى حيث أراد . وهذه البئر قديمة جدا ، وأظنها من زمن الجاهلية . كما أني أظن أن احترام الحمام هنا أيضا من زمن بعيد . وعلى كل حال فهو مكرم للبيت ، سواء قبل الإسلام وبعده . والقول بأنه من نسل تلك الحمامة التي عششت في الغار على النبي صلى الله عليه وسلم ، إنما يزيد في احترامه وإعظامه . وليس الحمام بمحترم فقط هنا ، بل هذه عادة قديمة جدا فبنو نوح كانوا يكرمونه لأنه أول من بشرهم بظهور اليابسة مدة الطوفان . واحترامه عند النصارى يقرب من درجة التقديس ، لأنه يمثل عندهم روح القدس ، ويقولون أنه عندما كانوا يغسلون المسيح في نهر الأردن ، وهو صغير ، جاءت حمامة وحطت على رأسه ، لذلك يرسمونها في كنائسهم ، وعلى صورهم الدينية بكثرة .
ومن هذا ترى الحمام قد أطلقت له الحرية في كنائس القوم في أوروبا ، وخصوصا في كنائس إيطاليا والنمسا وبعض كنائس فرنسا ، وقد تعدى هذه الكنائس إلى منافذ المساكن وأسطحتها وأشجار الشوارع العمومية وبساتينها . فإذا ذهبت إلى فينا أو روما مثلا وجدته هنا وهناك في كل مكان من غير أن يؤذيه أي إنسان ، وأثر هذه العقيدة باق في الحمام الذي لا يزال في مدينة القسطنطينية إلى يومنا هذا ، وتراه على الخصوص في مسجد با يزيد ومسجد أبي أيوب الأنصاري . غير أن أهل الآستانة قد بالغوا في إكرامه حتى حرموا ذبحه ، منهم لا يأكلونه أبدا سواء في ذلك مسلموهم ونصاراهم ويهودهم .
أما ما ذكر من أن المسلمين يعتقدون أن حمام الآستانة من ذرية حمام الغار ، الذي يقولون عنه أنه كان يخبر الرسول بجميع ما كان يفعله المشركون ، فإنه لا أصل له عندهم ، كما أن لا أصل في دينهم لتلك المأمورية التي كان يؤديها حمام الغار . والشيعة من العجم يعتقدون مثل هذا الاعتقاد في حمام الحرم ، ويزعمون أنه هو الذي أخبر أهل المدينة المنورة بقتل الحسين ، رضي اللّه عنه ، والصينيون يستعملون الحمام من زمن بعيد في استكشاف بختهم على مثل ما يستعمله بعض
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم — صفحة 278
مساهمون: محمد طاهر الكردي المكي ( خطاط )
ص٢٧٨