تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم — صفحة 240

مساهمون:

ص٢٤٠
لقد ذكرنا عدد الحجاج فيما تقدم في السنة المذكورة ، وإذا حسبناهم مع من حج من أهل المملكة العربية السعودية فيكون عدد من وقف في السنة المذكورة بعرفات هو مليون شخص . وإن العاقل المفكر إذا رأى هذا العدد الهائل للحجاج الكرام ، ليندهش وتأخذه الحيرة ، إذا فكر في أكلهم وشربهم وراحتهم ، ويقول في نفسه كيف يكفيهم الأكل والشرب في بلدة صغيرة كمكة شرفها اللّه تعالى ، وأدام أمنها وأمانها وخيرها ورخاءها ، ولكنه إذا نظر إلى قوله تعالى :
وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها
، إذا نظر المؤمن العاقل في هذه الآية الكريمة آمن بمضمونها وسلم الأمر إلى اللّه عز وجل . فمكة بلده الأمين ، وفيها بيته الحرام المطهر ، والعباد عباده أتوا من كل فج عميق لزيارة بيته الحرام ، فهم إذا ضيوف اللّه تعالى ، واللّه عز وجل هو أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين ، لابد أن يضيفهم ويكرمهم ويقبلهم ويغفر لهم ذنوبهم ، حتى يرجعوا إلى بلادهم وهم مطهرون على أحسن حال ، إنه بعباده لطيف خبير . نعم لو ذهب هذا العدد الهائل إلى أكبر بلدة لما كفاهم الخبز والماء ، فوجود هذه النعم والخيرات في مكة المشرفة وهي واد غير ذي زرع ، أمر خارق للعادة ، إنه دعوة أبي الأنبياء خليل اللّه إبراهيم كما جاء في الآية الكريمة
رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ
. فالحمد للّه رب العالمين . هذا ولقد سمعنا أنه في سنة ( 1370 ) ألف وثلاثمائة وسبعين هجرية ، وصل إلى الحديدة من أطراف اليمن نحو خمسة آلاف شخص يريدون الحج وانتظروا فيها خمسة أيام لورود باخرة تحملهم إلى جدة ، ففي هذه الأيام الخمسة انعدم الخبز من أسواق الحديدة ، حتى أنهم ما كانوا يجدون الخبز إلا بصعوبة ، فكيف لو انكب عليهم هذا الحجيج الأعظم ولمدة طويلة . فالأسباب الأساسية لكثرة الحجاج ثلاثة : ( الأول ) كثرة وسائل النقل الحديثة ، و ( الثاني ) الأمن والأمان في طرقات الحج من جميع الجهات ، و ( الثالث ) كثرة توفر الزاد والأغذية في الحرمين الشريفين .