سيول مكة العظيمة
إن مكة ، شرفها اللّه تعالى ، واقعة في واد تحف به الجبال من كل جانب ، فإذا نزلت الأمطار عليها بشدة نزلت المياه من جميع الجبال ومن المرتفعات وغيرها إلى المواضع المنخفضة بمكة فتجمعت في أزقتها وشوارعها ، ونزلت مع المياه من الجبال والأماكن الحجارات والأتربة ، وإذا زادت الأمطار في ضواحيها جاءت السيول من أعاليها من جهة منى إلى داخل مكة ، وجرفت معها ما كان في طريقها ، فتدخل المسجد الحرام ، فتحدث به أضرارا كثيرة ، كما تحدث أضرارا في بيوت مكة القديمة .
لذلك كانوا يعملون سدودا من قديم الزمان ، كسد عمر رضي اللّه عنه ، وما عمله من الردم عند المدعا حيث كانت الكعبة ترى من هذا الموضع لعلوه ، وذلك صونا للمسجد الحرام من دخول السيل ، فتحول مجرى السيل بسبب ذلك إلى وادي إبراهيم ، بعد أن كان السيل ينحدر من المدعا إلى المسعى من ناحية المروة ، وكان ذلك سنة ( 17 ) سبع عشرة من الهجرة ، بعد انتهائه من وضع مقام إبراهيم عليه الصلاة والسلام في موضعه ، وبعد انتهائه أيضا من عمارة المسجد الحرام والزيادة فيه . ولقد كان سد عمر ، رضي اللّه عنه ، سدا عظيما محكما ، بناه بالضفائر والصخور العظام وكبسه بالتراب ، فلم يعله سيل بعد ذلك مدة مائتي سنة تقريبا ، ويسمى هذا الردم ردم " بني جمح " ، وسمي بذلك ربما لأن منازل بني جمح كانت بهذا الموضع ، وهذا الردم هو أول سد عمل بمكة المكرمة . قال الإمام الأزرقي في تاريخه : وكل واد في الحرم فهو يسيل في الحد ، ولا يسيل من الحل في الحرم إلا من موضع واحد عند التنعيم عند بيوت غفار . انتهى .
وذكر السيول التي جاءت إلى مكة من عهد الجاهلية إلى اليوم بالتفصيل مما يطول شرحه ، ولكن نذكرها هنا باختصار مع بيان السنين ، ملخصا من تاريخ الأزرقي وملحقاته ، ومرآة الحرمين لإبراهيم رفعت باشا رحمهما اللّه تعالى .
وإليك بيان ذلك في هذا الجدول :