المنورة بعض كبار أصحابه ليقيم للناس الحج ويعلمهم أحكامه ، فلما كان في حجة الوداع في السنة العاشرة خرج الناس مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يريد الحج معه ، فكان عدد الواقفين مع النبي عليه الصلاة والسلام ، بعرفات تسعين ألفا ، وقيل :
أكثر من ذلك إلى مائة وأربعين ألفا ، كلهم من عرب الحجاز من مكة والمدينة وما حولهما ، لأن المدن والأقطار لم تفتح بعد ، فما فتحت إلا في عهد الخلفاء الراشدين ومن بعدهم ، وما زالت الفتوحات في عهدهم تتوالى وتكثر ، ويدخل من الممالك والأقطار في دين الإسلام إلى أوائل القرن الرابع عشر للهجرة ، أي : إلى ما بعد سنة ( 1300 ) ألف وثلاثمائة هجرية بقليل ، لأن جميع سلاطين الأتراك العثمانيين الذين كانت فيهم الخلافة ، كانوا يقاتلون الكفار الذين يجاورونهم ويغزون ملوك الإفرنج ، ولذلك كان يلقب كل سلطان منهم يخرج للغزو في سبيل اللّه " بالغازي " ، وأغلبهم كان يغزو عاما ويحج عاما ، فلما ذهبت الخلافة منهم في سنة ( 1334 ) ألف وثلاثمائة وأربعة وثلاثين هجرية ، وصار كل قطر ومملكة إسلامية مستقلا بذاته وتفرقت كلمة المسلمين واختلفوا فيما بينهم ، لم يعد هناك غزو من المسلمين على بلاد الإفرنج وأوروبا ، وكل هذه التفرقة بين المسلمين كانت من سياستهم ومكرهم ، فإن الإفرنج وبلاد أوروبا جميعا كانوا يشتغلون بأسباب تفرقة المسلمين منذ مئات السنين ، وما زالوا كذلك إلى اليوم ، وسيرد اللّه تعالى كيدهم في نحرهم بفضله ورحمته ، ومن أراد البحث في هذا الموضوع فعليه بكتاب " حاضر العالم الإسلامي " ففيه ما يشفي الغليل .
ومن بعد الفتوحات الإسلامية صار يأتي بالحج آلاف مؤلفة من كل فج عميق من كافة أقطار الأرض وجهاتها ، وصار يزداد عدد الحجاج في كل عصر وزمان بحسب تيسير وسائل السفر وأسبابه ، من أعداد المحطات في طريق الحج ، ومن الدواب من البغال والحمير والجمال ، ومن تعمير خزانات المياه ، وحفر الآبار وتجهيز الأطعمة اللازمة ، وتأمين طرقات الحج ووضع الحراسة الكافية فيها ، وكل هذا عن طريق البر في الأزمان الماضية ، وأما عن طريق البحر ، فيأتون بواسطة المراكب الشراعية التي تمشي بسبب الهواء والرياح ، وسواء كان طريق الحج من البر أو من البحر ، فقد كان السفر في غاية المشقة والتعب ، مع طول الطريق ، فلقد كان بعض الحجاج لا يصل من بلاده إلى مكة المشرفة بأقل من ثلاثة أشهر ، ومثل ذلك للعودة ، وأن بعضهم يصل إلى مكة في ستة أشهر ، وبعضهم أكثر من ذلك ،
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم — صفحة 238
مساهمون: محمد طاهر الكردي المكي ( خطاط )
ص٢٣٨