تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم — صفحة 239

مساهمون:

ص٢٣٩
ويحتاجون إلى مثل هذه المسافة في العودة ، لذلك كان عدد الحجاج في العصور الماضية أقل بكثير من عصرنا الحاضر . أما في وقتنا هذا فإن عدد الحجاج يكاد يكون بدون حساب ، وذلك بسبب توفر وسائل الانتقال والسفر ، فإن في عصرنا الحاضر قد اخترعت الطائرات العظيمة التي تحمل كل طائرة منها نحو مائة وخمسين شخصا بجميع حوائجهم وأثقالهم ، وهي تصل من أقصى الدنيا ، من الهند والسند والصين وأمريكا وإيطاليا وفرنسا وإنكلترا ، إلى جدة في نحو سبع ساعات أو ثمانية ، وتصل من مصر والعراق والشام واليمن في نحو ساعتين أو ثلاثة ، أي : يقوم الإنسان من بلاده في الصباح عند شروق الشمس بالطائرة ، فيصل إلى مكة المكرمة قبل الظهر . كما اخترعت البواخر التي تحمل كل باخرة منها أكثر من ألفي شخص مع أثقالهم وحوائجهم ، فتسير بهم في وسط البحور العميقة ، فتصل من بلادهم إلى جدة في أيام قلائل . وكذلك اخترعت السيارات الكبيرة الثقيلة ، فتحمل كل سيارة منها نحو خمسين راكبا بل أكثر ، فتسير بهم في البراري والقفار ، فتصل من العراق مثلا في ثلاثة أيام إلى مكة المكرمة . ومن هنا كان عدد الحجاج في وقتنا الحاضر كثيرا جدا ، فلقد وصل إلى مكة في سنة ( 1384 ) ألف وثلاثمائة وأربعة وثمانين هجرية ، نحو ثلاثمائة ألف حاج بالطائرات والسيارات والبواخر ، وكلما ظهرت المخترعات العجيبة السريعة من وسائل النقل ، ازداد عدد الحجاج على ممر السنين والأعوام ، واللّه تعالى أعلم ماذا يحدث في مستقبل الأيام . لقد كان عدد الحجاج كبيرا في السنة المذكورة أي سنة ( 1384 ) ه بحيث امتلأت بيوت مكة وشوارعها منهم ومن سياراتهم ، ولقد كانوا يبيتون أيام الحج بمنى في خارجها من الجهتين ، أي من جهة مكة بعد جمرة العقبة بمسافة بعيدة ، ومن جهة مزدلفة بعد حد منى بمسافة أيضا ، ولا يخفى أن هاتين الجهتين لا يجوز المبيت فيهما أيام الحج ، فإنه لا بد من المبيت ليلا في نفس منى . واللّه تعالى أعلم ماذا يحدث في مستقبل الأيام إذا كثر الحجيج بسبب اختراع أحدث وسائل النقل السريعة المدهشة ، ولا يبعد أن تفكر الحكومة في بناء طبقة متسعة فوق أرض منى ليشغلها قسم من الحجاج . واللّه تعالى هو المدبر لأمور خلقه في السماوات والأرض .