تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم — صفحة 171

مساهمون:

ص١٧١
فلما ظهرت السيارات وشاع استعمالها في جميع مدن المملكة السعودية ، وكثر انتقالها وسفرها بين بلدان المملكة ، وظهرت أيضا الثلاجات الكهربائية ومصانع الثلج بمكة ، قام بعضهم بجلب الحوت الأخضر أي الطري من جدة ورابغ ومستورة إلى مكة المكرمة ، فيصيدون الحوت من البحر الأحمر من هذه الأماكن ليلا ، ثم يرسلونه طريا في الصباح المبكر من جدة بالسيارة فيكون بمكة في وقت الضحى ، ويعرض حين وصوله للبيع في الدكاكين التي بالمنشية بزقاق الوزير ، وقد يمكث هذا الحوت في الصناديق المثلجة يومين أو ثلاثة ، ثم يتجدد إحضاره أيضا ، فربما أحضروا الحوت الطري من جدة في كل يوم مرة ، وربما أحضروه يوما بعد يوم بحسب سرعة بيعه أو عدمه . ويوجد عندنا نوع ثالث من الحوت وهو الحوت الناشف أي اليابس وهو كثير ، فإنهم ييبسونه يبسا تاما فيبقى أشهرا عديدة معروضا في الدكاكين من غير أن يحصل عليه تغير ، حتى إنهم ييبسون الجمبري ويسمى عندنا " الربيان " ، بضم الراء وسكون الباء الموحدة . وأهل مكة يطبخون الحوت بأنواع مختلفة وأحيانا يأكلونه مقليا ، وأهل جدة لهم ولع كبير بأكل الحوت ، ولهم طرق كثيرة في طبخه لا يتقنه غيرهم ، والحق يقال : أن أكل الحوت لذيذ سهل الهضم ، إنه ألذ من لحم الدجاج والطيور ، ويكفي فيه قوله تعالى في سورة فاطر :
وَما يَسْتَوِي الْبَحْرانِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ سائِغٌ شَرابُهُ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْماً طَرِيًّا
. هذا وبمناسبة كلامنا على وجود الحوت الطري الجديد بمكة المكرمة ، نذكر ما جاء في صحيح البخاري عن عثور الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم على حوت كبير في البحر ، ولغرابة كبره نذكره هنا . فقد روى البخاري في صحيحه في كتاب الوكالة في باب الشركة والنهد والعروض : عن جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنهما أنه قال : بعث رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ، بعثا قبل الساحل ، فأمر عليهم أبا عبيدة بن الجراح وهم ثلاثمائة وأنا فيهم فخرجنا حتى إذا كنا ببعض الطريق فني الزاد ، فأمر أبو عبيدة بأزواد ذلك الجيش ، فجمع ذلك كله فكان مزودى تمر ، فكان يقوتنا كل يوم قليلا قليلا حتى فني ، فلم يصيبنا إلا تمرة تمرة ، فقلت : وما تغني تمرة ، فقال : لقد وجدنا فقدها حين فنيت ، قال : ثم انتهينا إلى البحر ، فإذا حوت مثل الظرب ، فأكل منه ذلك الجيش ثماني عشرة ليلة ، ثم أمر أبو عبيدة بضلعين من
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم — صفحة 171 | محمد طاهر الكردي المكي ( خطاط )