كان السفر إلى خارج الحرمين قليلا كما قلنا ، إلى سنة ( 1334 ) أي إلى سنة نهضة الشريف الحسين بن علي ملك الحجاز الأسبق رحمه اللّه تعالى ، حيث في هذه السنة المذكورة وهي سنة ألف وثلاثمائة وأربع وثلاثين هجرية ، حصل قيام جميع ممالك العرب على الدولة التركية العثمانية ، فكانت الحرب دائرة ضدها في جميع البلدان ومنها مكة والمدينة ، فقد تعب أهل هاتين البلدتين أثناء المحاربة ، فسافر بعضهم إلى مصر وأغلبهم سافروا إلى الشام خصوصا أهل المدينة المنورة لقربها منهم ، ولوجود السكة الحديدية من المدينة إلى الشام ، ومكث هناك بعضهم سنوات عديدة ، وبعد أن استقرت الأمور بالحجاز رجعوا إلى أوطانهم . ثم بعد نحو عشر سنوات من السنة المذكورة أي في سنة ( 1343 ) ألف وثلاثمائة وثلاث وأربعين هجرية ، وقعت حرب أخرى بين الشريف الحسين بن علي ملك الحجاز المذكور وبين سلطان نجد عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود رحمهما اللّه تعالى وغفر لهما ، فزحف الثاني من نجد على الحجاز واستولى عليها ، فحصل رعب عند الناس أيضا وخافوا على أنفسهم ، فسافروا إلى مصر والشام وغيرهما ، فلما استقر الأمر في الحجاز ، رجعوا مرة ثانية إلى الحجاز كل واحد استقر في بلدته .
فمن هاتين الوقعتين تعلم أهل الحرمين وغيرهم السفر إلى الخارج ، حيث صار لهم هنالك معارف وأصدقاء علاوة على معرفتهم بالحجاج الذين يحضرون إليهم في كل عام في مواسم الحج .
ثم من بعد سنة ( 1355 ) ألف وثلاثمائة وخمس وخمسين هجرية ، كثر السفر من عندنا تدريجيا إلى جميع الممالك الإسلامية وغيرها ، ومن بعد سنة ( 1370 ) ألف وثلاثمائة وسبعين هجرية ، ألفوا السفر إلى البلاد الأوروبية بكثرة فائقة وسهولة ويسر كأنهم ينتقلون من قرية إلى قرية ، ونعزو ذلك إلى الأمور الآتية :
( 1 ) كثرة الأموال الموجودة عندنا بالمملكة .
( 2 ) معرفتهم باللغات الإفرنجية التي تعلموها عندنا في المدارس .
( 3 ) معرفتهم بأساليب التجارة أكثر من ذي قبل .
( 4 ) كثرة وسائل التنقلات السهلة ، من السيارات والطائرات والبواخر والسكك الحديدية وغيرها .
( 5 ) وجود البنوك في جميع الممالك والأقطار وسهولة تحويل المبالغ الطائلة .
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم — صفحة 173
مساهمون: محمد طاهر الكردي المكي ( خطاط )
ص١٧٣