إسماعيل ، وهو أول من علم أهل مكة بناء البيوت بالرضم بالحجارة ، فلا يزال بعض العرب بالحجاز يبنون بيوتهم بالرضم إلى عصرنا هذا .
ومعنى كلمة " ببكة " المراد بها مكة كما ذكروه ، فهي من جملة أسمائها ، والذي نذهب إليه أن المراد " ببكة " ، البقعة التي بنيت بين أخشبي مكة ، وهما جبل أبي قبيس وجبل قعيقعان فقط ، وهي البقعة التي فيها البيت الحرام ، فمن تأمل قوله تعالى :
إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ
ظهر له هذا المعنى بوضوح .
ولقد كان العرب منذ عهد إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، يسكنون بمكة خارج الحرم ، ويأتون إلى بيت اللّه الحرام نهارا للطواف والعبادة ، فإذا أمسوا خرجوا إلى مساكنهم البعيدة عنه ، حرمة وتعظيما له ، فكأن البيت الحرام قائما وحده في هذا الوادي المبارك ، بين أخشبي مكة ، ليس حوله بيوت مطلقا ، حتى زمن قصي بن كلاب الجد الرابع للنبي صلى اللّه عليه وسلم الذي كان حاكما على مكة .
فإنه أمر قريشا أن يبنوا منازلهم بقرب الكعبة ، ولا يبتعدوا عنها حتى تهابهم العرب وتعظمهم حرمة للبيت الحرام ، وخصص لكل قبيلة منهم جهة من جهات الكعبة ، وهو أول من أقدم على البناء عندها ، فبنى لهم " دار الندوة " فتبعته قريش في ذلك .
فلما جمع قصي بن كلاب قريشا بمكة ، سمي " مجمعا " ، وفي ذلك يقول حذافة بن غانم الجمحي يمدحه :
أبوهم قصي كان يدعى مجمعا * به جمع اللّه القبائل من فهر
همو نزلوها والمياه قليلة * وليس بها إلا كهول بني عمرو
يعني خزاعة .
نسأل اللّه تعالى أن يوفقنا لعبادته ، وتعظيم بيته الحرام ، وحرمة مكة بلده الأمين ، وأن يعصمنا من الإلحاد والظلم فيه ، وأن يميتنا به على الإيمان الكامل ، على نظافة وطهارة وراحة تامة ، وأن يلحقنا بالصالحين بفضله ورحمته ، إنه بعباده لطيف خبير آمين . والحمد للّه رب العالمين .