تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم — صفحة 124

مساهمون:

ص١٢٤
إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا
حتى يعرفه الناس تماما ، فلا يدعي قوم بأن المراد به بعض معابد أهل الكتاب ، كما بين ، سبحانه وتعالى ، وهو الغني عن العالمين ، بعض مزايا بيته الكريم في قوله بسورة البقرة :
وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ
. وفي قوله بسورة الحج :
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ الَّذِي جَعَلْناهُ لِلنَّاسِ سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ * وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئاً وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ
، إلى آخر الآيات ، أي إلى قوله تعالى :
ثُمَّ مَحِلُّها إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ
. ويستدل بعض العلماء والمؤرخين بآية :
وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ
، وبآية
وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ
أن إبراهيم الخليل ، عليه الصلاة والسلام ، هو أول من بنى بيت اللّه المعظم . ونحن نقول : أن الآيتين المذكورتين تثبتان وقوع البناء لخليل اللّه إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، ولا يفهم منهما أنه هو أول من بناه ، فقد يجوز أنه هو أول من بناه كما يجوز أن الملائكة بنته قبل البشر ، ويجوز أيضا أن آدم عليه السلام أو أحدا من أبنائه الأنبياء بناه ، كما يظهر ذلك لدى التأمل . فإبراهيم ، صلوات اللّه وسلامه عليه ، هو أول من اكتشف مكة ، وأول من أسكن فيها ذريته ، وأول من أخذ عنه الناس صنعة البناء بمكة . وإذا أنعمنا النظر في قوله تعالى :
إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكاً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ * فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ
ظهر لنا من جملة :
فِيهِ آياتٌ بَيِّناتٌ مَقامُ إِبْراهِيمَ
أن خليل اللّه إبراهيم صلى اللّه عليه وسلم هو أول من بنى البيت ، بدليل أن مقامه المذكور في الآية لا يزال موجودا إلى اليوم عند الكعبة . أما إن قلنا أن الملائكة أو آدم أو ابنه شيث عليهم الصلاة والسلام ، هم الذين بنوا الكعبة من قبل إبراهيم عليه السلام ، فيكون بناء ليس عنده المقام بالطبع . على أنه لا مانع إن قلنا أنهم بنوا الكعبة قبل الخليل ، بمعنى أنهم بنوها بناء غير بناء إبراهيم ، فهذا بناها بالحجر رضما ، والملائكة رموا في أساسها الصخور العظام