ولعلها هذه السورة : « المنافقون » .
فالقول الكذب هو المخالف المنافق ، إما للواقع ، أو للعقيدة ، أو لهما ، ثالوث الكذب والنفاق وِ جاه الصدق والوفاق ، فمن صدق مطلق وهو الموافق لهما ، ومن كذب مطلق يخالفهما ، ومن صدق من جهة وكذب من أخرى ، فالمقالة الموافقة للواقع ، المنافقة للعقيدة ، وإن كانت صدقا وجاه الواقع ، ولكنها كذب لمنافقة العقيدة ، وهي من أخطر الكذب :
كذب المنافقين ، والمقالة المنافقة للواقع ، الموافقة للعقيدة ، إنها دونها في الخطر ، سواء من الكافر الذي يشهد بعقيدته الكافرة ، أو المؤمن الخاطئ الذي يشهد بما يؤمن به ولكنه خلاف الواقع ، وإن كان بين الكاذبين بون ، كذب كافر عامد ، وكذب مؤمن غير عامد ، فأحرى أن يسمى هذا جهلا لاكذبا .
فالقولة غير الموافقة لواقعي العقيدة والحقيقة معا ، إنها قولة منافقة كاذبة تماما ، والموافقة لهما صادقة تماما ، ثم بينهما متوسطات ، وإن كانت المنافقة للعقيدة ، الموافقة للواقع أخطرها مسّا من كرامة الحقيقة . فموقع الجملة المعترضة « وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ » هو الحفاظ على صدق شهادة المنافقين وِجاه الواقع ، فشهادته ثانية بكذبهم المؤكد بأداته :
« ان . . ل » لتثبت كذبهم بالنسبة لواقع العقيدة ، لا واقع الحق .
وهكذا يكون دور المنافقين في كذبهم أنه أخطره إذ يغرّ غير النابهين .
ولأن المؤمن ينظر بنور اللّه فلا يصدّق قولة الزور المنافقة ، لذلك يتشبث المنافقون بأيمانهم المغلظة علّهم يصدّقون فعن سبيل اللّه يصدون ، نفاقا على نفاق وكذبا على كذب :
اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ :
توحي الجنة أن نفاقهم كان يظهر أحيانا من صفحات الوجه وفلتات اللسان أو بما يظهر اللّه - نبيه والمؤمنين - عليه ، فيضطرون إلى جنة : ترس - يدافعون بها عن أنفسهم ،
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 197
مساهمون: الشيخ محمد الصادقي الطهراني
ص١٩٧