تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 196

مساهمون:

ص١٩٦
إن كفار مكة لم يكونوا لينافقوا الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إذ لم يكن المسلمون فيها من القوة بحيث يرهبون ، فيتملّق لهم في الظاهر ، فإنما كانوا يناوئونهم جهارا ، ويقاومون الدعوة بكل ما لديهم من طاقات دونما تحرز أو تحفظ ، وأما في المدينة فقد كان للنبي أنصار أقوياء إضافة إلى من هاجر من المؤمنين الأصفياء ، فلم يكن - إذا - من الهيّن أن يقف البقية الباقية من الكفار ، في وجه الدعوة ، إلا بألوان النفاق والمكيدة - وكما هي شأن التغلب وجاه الأسد - لذلك تجد آيات المنافقين مدنية كلها ، إلا ما يلمح للنفاق بمعنى أوسع . ولكي يكيدوا الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم والمؤمنين ، ويشاركوهم فيما يدر عليهم الإسلام ويحذروا عما يتحذّرون ، كانوا إذا جاءوا الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يشهدون بأنه رسول اللّه : إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ : شهادة السر والعلن وهي أثبت لهم من العلم ( نعلم أنك لرسول اللّه ) فإن المنافق يعلم الرسالة وينكرها وقولة الشهادة منهم تعني اننا لسنا بمنافقين : أن نعلم الحق ثم نخالفه ، ومما يشهد لميزة الشهادة هذه اتخاذ أيمانهم جنة ، إذ كانوا يرمون بالنفاق . وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ : فإنه الذي بعثك برسالته فعلمه بها كاف لك كرسول ، وإن كان اللّه يشهد لمن أرسل إليهم بهذه الرسالة السامية ، بمختلف الشهادات القاطعة ، فما لك وشهادتهم الزور والغرور . وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ : يخفون ما لا يبدون ، ويبدون ما لا يخفون ، فعلمه تعالى في نفسه بكذبهم لا يكفي تكذيبا لهم ، وإنما يشهد ، وكما في آيات تفضحهم ، فهم حذرون دائما أن تنزل آية أو سورة تنبئهم بما في قلوبهم ، وهذه هي الحكمة الموسّطة للعلم بين الشهادتين : « يَحْذَرُ الْمُنافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِما فِي قُلُوبِهِمْ . . » ( 9 : 64 )