الاختيار ، اللهم إلا لمن تصيبه المصيبة تذكيرا وامتحانا ، وبأحرى من تصيبه ترفيعا لدرجاته كالسابقين المقربين .
فأنت وأعمالك ومصائبك حسنة وسيئة ، وأرضك ، كلها « فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها » : الأرض والنفس والمصيبة ، فلا يخفى منك على اللّه شيء ، ولاتتغلب على مشيئته في شيء ، ولا تجبر على شيء ، اللهم إلا في أجلك المحتوم ، أو المعلق على غير عملك وفعلك ، أو اصابتك بما أنت السبب ، أو ما ليس لك نصيب في السبب ، فإنها كلها « فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها » وهذا إعلام من اللّه مسبقا :
لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ :
ولماذا الأسى على ما فات ومضى ، وهو مقدر كائن بحساب دون فوضى ، فإن كان الفوت بسيئة منك فهذا شيء مرتقب ، فلا تأس ، وإنما غيّر سيرتك ، وان كان من غيرك فاعتبره لك عبرة وذكرى أو تكفيرا عن سيئات ، أو ترفيعا لدرجات ، إذا فلما ذا الأسى على ما فات ؟ ! .
ثم ولماذا الفرح والمرح بما آتاك اللّه ، فلعله نعمة تضم نقمة فاستعذ منه باللّه ، أو تجربة فاستعن فيه باللّه ، أو كرامة من اللّه امتحانا فلما ذا الفرح ؟ فهل تلهيك نعمة ؟ وكثير هؤلاء الذين يلتهون ! وليس الامتحان في النعمة أهون منه في النقمة : « وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ » ( 21 : 35 ) .
فلا تحسبن النعمة لباقة منك ولياقة ، ولا النقمة عذابا وآفة ، فقد تكون النعمة نقمة والنقمة نعمة ، وقد تكون غير ذلك « والدهر لك يومان يوم لك ويوم عليك فإذا كان لك
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 192
مساهمون: الشيخ محمد الصادقي الطهراني
ص١٩٢