تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 118

مساهمون:

ص١١٨
ومزدوج الاستعداد لكلي الخير والشر ، فانتهت الجولة الأولى تتبعها جولات وجولات على مدى هذه الحياة . وإليكم على ضوء هذه الآيات الناصعة القاصعة الخطبة القاصعة لعلي أمير المؤمنين ( عليه السّلام ) حيث يعرض فيها مداخل الشيطان ومخارجه من الإنسان : « الحمد للّه الذي لبس العز والكبرياء ، واختارها لنفسه دون خلقه ، وجعلها حمى وحرما على غيره ، واصطفاهما لجلاله ، وجعل اللعنة على من نازعه فيهما من عباده ، ثم اختبر بذلك ملائكته المقربين ليميز المتواضعين منهم من المستكبرين ، فقال سبحانه وهو العالم بمضمرات القلوب ومحجوبات الغيوب : « إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ . فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ . فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ إِلَّا إِبْلِيسَ » اعترضته الحمية ، فافتخر على آدم بخلقه ، وتعصب عليه لأصله ، فعدو اللّه إمام المتعصبين ، وسلف المستكبرين ، الذي وضع أساس العصبية ، ونازع اللّه رداء الجبرية ، وأدرع لباس التعزز ، وخلع قناع التذلل - ألا ترون كيف صغّره اللّه بتكبره ، ووضعه اللّه بترفّعه ، فجعله في الدنيا مدحورا ، وأعدّ له في الآخرة سعيرا ، ولو أراد اللّه أن يخلق آدم من نور يخطف الأبصار ضياءه ، ويبهر العقول رواءه ، وطيب يأخذ الأنفاس عرفه لفعل ، ولو فعل لظّلت له الأعناق خاضعة ، ولخفّت البلوى فيه على الملائكة ، ولكن اللّه سبحانه ابتلى خلقه ببعض ما يجهلون أصله تمييزا بالاختبار لهم ، ونفيا للاستكبار عنهم ، وإبعادا للخيلاء منهم - فاعتبروا بما كان من فعل اللّه بإبليس ، إذ أحبط عمله الطويل وجهده الجهيد ، وقد كان عبد اللّه ستة آلاف سنة لا يدرى أمن سنيّ الدنيا أم من سنيّ الآخرة عن كبر ساعة - فمن ذا بعد إبليس يسلم على اللّه بمثل معصيته ؟ كلّا ! ما كان اللّه سبحانه ليدخل الجنة بشرا بأمر أخرج به منها ملكا ، إن حكمه في أهل السماء وأهل الأرض لواحد ، وما