وهذه طبيعة الحال لمن بشر بما يتمناه ، وهي غريبة عن حاله على رجاءه أن يولد له فرط السرور عند اوّل ما يهجم على سمعه ما تقاضاه ، استئنافا في المعرفة وزيادة في الاستبانة ، ولا أقل من استعلام زمن الهبة المبشرة .
اجل و « قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكانَتِ امْرَأَتِي عاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا » ( 19 : 8 ) عرضا لحاله البعيدة عن هذه الرحمة الغالية ، بعد ان دعا ربه « هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ » وهو الرحمة اللدنية الخاصة ، البعيدة عن المألوف تكوينا وتشريعا ، وهذه شيمة كريمة من الصالحين في دعاءهم عرضاً لفقرهم وغناه ، واستعراضا لسلب اهليتهم في أنفسهم رجاءَ رحمة اللّه .
فما اقبحه تأويلا عليلا قيلة القائل : ان اللّه لما بشره بالولد - / وكان عنده أن العاقر لا تلد - / والعقيم لا تنسل - / اعترضه الشيطان حين نادته الملائكة ان ما سمعه انما هو منه لا منهم ، فشك فيما بُشرا .
وذلك جهل عظيم من قائلة وقلة بصيرة بمنازل الوحي ، فإذا كانت الملائكة هي التي بشرته كما قال اللّه ، وقد جرت عادته الرسالية باستماع كلامها ، وألف مهابطها ، وثلج صدره بما تؤديه عن ربها ، فأي عاذرة له - / إذا - / في أن يعترضه الريب أو يختلجه الشك .
ولو كان مرتابا في بشارته فكيف ينادي ربه فيها « رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ . . . » ؟ ! .
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 43
مساهمون: الشيخ محمد الصادقي الطهراني
ص٤٣