هنا الطاغية يثنّي تهمة الاستسلام بأخرى يتهدم بها - في زعمه - صرح السحر من هؤلاء السحرة ، وأنه تآمر على السلطة الفرعونية : « إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ » ومتى كان بينهم حتى يعلّمهم ، ومتى سبق له سحر حتى يعلمه فيعلّمه ، ومهما يكن من أمر يكون له مأخذا في هذه التهمة ، فهو ان بعض هؤلاء - وهم من الكهنة - كانوا يتولون تربية موسى حين كان ويدا في قصره ، ولكنه يعاكس تهمته إلى ضدها ، إنه عليه السلام تعلم من هؤلاء ، فبدلا من قوله « انه لتلميذكم . . » قال « إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ . . » ليزيد الأمر ضخامة في أعين الجماهير ووخامة في قلوبهم .
ولكن هذه الثانية كما الأولى لا تجد مجالا من القبول ، فالسحرة فالتة ، والحشد متنزّل أو متحول ، فإلى ثالث ثلاثة هي التهديد بالصلب القاسي الذي كان يجري بحق أعصى العصاة وابغى البغاة :
« فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ » ماذا أفعل بكم أيها الخونة المتمردون ! « لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ » والسلطة قاهرة والطاغية قادرة ، فلو كان إسلامهم استسلاما لكانوا يستسلمون للسلطة الفرعونية ، إذ لم تكن لموسى سلطة زمنية ، اللهم إلا آية إلهية ، ولكنهم أثبتوا دون أية ريبة أن ايمانهم وقع دون مماراة ، لا مرد له ولا تحويل . قالُوا لا ضَيْرَ إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ ( 50 ) إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنا رَبُّنا خَطايانا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ ( 51 ) .
« قالوا » بأجمعهم « لا ضير » لنا فيما تهدّدنا إذ « إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ » انقلابا تاما لنا ، طاما لكياننا ، فلا مجال لك فينا ، ولا رجعة لنا إلى ما كنا :
قالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلى ما جاءَنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالَّذِي فَطَرَنا فَاقْضِ ما أَنْتَ قاضٍ إِنَّما
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 419
مساهمون: الشيخ محمد الصادقي الطهراني
ص٤١٩