إنهم اقتسموا قسمين اثنين ، قسم نهوا عن السوء ، وآخرون سكتوا عنه ونهوا هؤلاء عن نهيهم عن السوء ، أم وثالث سكتوا عن النهيين ، نهي الناهين ونهي العاصين .
وَإِذْ قالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ( 164 ) .
فهنا عظة للذين كانوا يعدون في السبت من أمة منهم « يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ » ، وأمة أخرى لا تعظ العادين ، وإنما تعظ هؤلاء الواعظين :
« لم تعظون . . » تنديدا بهم كأنهم أتوا بمنكر في نهيهم عن المنكر ، « قالُوا مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ » وهما دعامتان في حقل الأمر والنهي للحافظين حدود اللّه وكما يقول اللّه : « فَالْمُلْقِياتِ ذِكْراً . عُذْراً أَوْ نُذْراً » ( 77 : 6 ) .
فعلى الداعية مواصلة الدعوة بإلقاء الذكر ، فإن لم يؤثر ف « عذرا » عند اللّه أنني بلغت ، ولكيلا يكون في تركه حجة للمتخلفين ، وإن أثر ف « نذرا » ف « إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ » ( 36 : 11 ) إنذارا مؤثرا .
فالإنذار بكل بنوده هو وجب الداعية في كافة الحقول . سواء لهؤلاء الذين « سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ » ( 36 : 10 ) فإنه « سَواءٌ عَلَيْهِمْ » لا عليك « فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ » ( 3 : 20 ) .
مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ » : « إِنَّما تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ . . » . إذا فليس احتمال التأثير في باب الأمر والنهي مما يحتمله هذان الفرضان الإلهيان ، وإنما « عذرا » : « مَعْذِرَةً إِلى رَبِّكُمْ » أو « نذرا » : « وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ » وهنا « ربكم » في موقف التنديد بهؤلاء الذين تركوا وجب التربية بذلك النهي وانحازوا إلى النهي عن ذلك النهي .
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 354
مساهمون: الشيخ محمد الصادقي الطهراني
ص٣٥٤