ومصابيح الظلمة ، وينابيع الحكمة - طبيب دوار بطبه ، قد أحكم مراهمه ، وأحمى مواسمه ، يضع من ذلك حيث الحاجة إليه ، من قلوب عمي ، وآذان صم ، وألسنة بكم ، متتبع بدوائه مواضع الغفلة ، ومواطن الحيرة ، لم يستضيئوا بأضواء الحكمة ، ولم يقدحوا بزناد العلوم الثاقبة ، فهم في ذلك كالأنعام السائمة ، والصخور القاسية ، قد انجابت السرائر لأهل البصائر ، ووضحت محجة الحق لخابطها ، وأسفرت الساعة عن وهها ، وظهرت العلامة لمتوسمها - مالي أراكم أشباحا بلا أرواح ، وأرواحا لا أشباح ، ونساكا بلا صلاح ، وتجارا بلا أرباح ، وأيقاظا نوما ، وشهودا غيبا ، وناظرة عمياء ، وسامقة صماء ، وناطقة بكماء » ( الخطبة 107 ) .
ذلك ! وترى كيف لا يضمن هنا الاهتداء بذلك الإيمان والاتباع وقد كتب اللّه رحمته لهؤلاء المؤمنين المتبعين ؟ لأن مجرد بادئ الإيمان والاتباع أيّا كان لا يضمن دائب الاهتداء ، وإنما هو الاستمرار فيها بشروطهما بعون اللّه وفضله ، فرب مؤمن به متبع له سوف يكفر ، ورب كافر به ناكر له سوف يؤمن ، فلنسأل اللّه حسن العاقبة والخاتمة كما نسأله حسن البداية .
وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ ( 159 ) .
هنا « مِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ . . » وفي أخرى « مِمَّنْ خَلَقْنا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ » ( 7 : 181 ) وفي ثالثة « وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ ساءَ ما يَعْمَلُونَ » ( : 66 ) .
فالأولى خاصة بقوم موسى ومثلها : « وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا
وَ
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 343
مساهمون: الشيخ محمد الصادقي الطهراني
ص٣٤٣