ثم ترى « أَ تُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا » اعتراض على اللّه أنه أهلك غير المستحقين له ؟ كلّا ! وإنما هو استعلام يبينه « إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ » أن ذلك الإهلاك فتنة لكل من هؤلاء الثلاث : السائلين الرؤية ، والساكتين عن النهي ، والغائبين عن المسرح المنتظرين للنتيجة ، فلقد أجاب موسى نفسه عن سؤاله بإجمال ، إجمالا عن التفصيل الذي علّه بين له دوننا ، والقول أن « فعل » الظاهر في العمل لا يشمل قول السفهاء ، إذا فهي سفاهة أخرى غير قولة الرؤية ، مردود بأن الفعل أعم من العمل ، فهو يشمل مثلث فعل اللسان والقلب والأركان سلبا وإيجابا ، وفعل السفهاء هنا هو قولهم :
أرنا اللّه جهرة ، وترك جمع منهم النهي عن المنكر ، ونقل ثالث سؤال الرؤية .
ذلك ، وقد أضل اللّه بهذه الرجفة والإحياء بعدها جمعا من هؤلاء وهم الذين أصروا على الضلال بعد سؤال الرؤية « ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ » ( 4 : 153 ) وهدى آخرين لم يسألوها أم سألوها وتابوا فلم يتخذوا العجل ، أم ونهوا عن ذلك السؤال وما أشبه ، والآخرون هم من المعنيين في « مِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ » ( 7 : ) 159 ) .
هذا ، وفي « لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ » من أدب السؤال ما لا قبل له لمكان « لو » المحيلة تلك المشية غير الصالحة ، فإن موسى عليه السلام لم يكن يستحق معهم الهلاك ، ولكنه قد يترجاه حفاظا على رسالته من الهلاك بتكذيب رفاق هؤلاء الهلكى ، ثم « أتهلكنا » استبعاد لإهلاكه معهم إذ لم يكن يستحقه أبدا ، ثم استعلام لإهلاك غير السائلين ، التاركين للنهي عن المنكر ، وقد أجاب عنه نفسه « إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ » .
وأخيرا يستسلم في دعاءه للّه قائلا : « أنت وينا » لا سواك ، فأنت تفعل بنا ما تشاء
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 317
مساهمون: الشيخ محمد الصادقي الطهراني
ص٣١٧