ذلك ، فلما انتهى أمر الابتلاء إلى ما لا منفذ فيهم بها من الذكرى فلم يبق مجال إلّا استئصالهم ، تطهيرا للأرض عن هؤلاء الأنكاد البعاد :
فَانْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَكانُوا عَنْها غافِلِينَ ( 136 ) .
ذلك وليس انتقام اللّه منهم وممن سواهم عجزا منه وتحسرا ودفاعا عن نفسه ، إنما هو إصلاح للأرض بإزالة المفسدين الذين لا يرجى منهم أيخير إذ صدوا على أنفسهم كل منافذ النور والهدى . فقد « كَذَّبُوا بِآياتِنا » كلها رسولية ورسالية ، آفاقية وأنفسية « و » الحال أنهم « كانُوا عَنْها غافِلِينَ » عن عمد وتقصير ، فالغفلة العامدة العاندة ليست بالتي يعفى عنها في شرعة العدل والحكمة ، إنما هي الغفلة القاصرة على قدر القصور فيها ، فهذه هي ضفة الكفر والنكران ، فإلى ضفة الشكر والإيمان :
وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَما كانُوا يَعْرِشُونَ ( 137 ) .
إن « كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى » شملت بني إسرائيل لإيمانهم وأنهم « الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ » ثم « تَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ بِما صَبَرُوا » فمثلث الإيمان المستضعف الصابر هي هندسة تمام كلمة ربك الحسنى ، فلذلك أورثناهم مشارق الأرض المقدسة ومغاربها التي باركنا فيها ، وفي الطرف المقابل اللّاإيمان الاستكبار وعدم الاصطبار « دَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ » من صناعات « وَما كانُوا يَعْرِشُونَ » من بنايات وجنات معروشات .
ذلك وبركات الأرض التي باركنا - وهي مصر القدس الكبير ، وهو فلسطين الكبير
التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 269
مساهمون: الشيخ محمد الصادقي الطهراني
ص٢٦٩