تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 159

مساهمون:

ص١٥٩
عرقلات الدعوة ، وكل دعوة إلهية تبدء بالسلب وتنتهي إلى الإيجاب ، فما دامت الفرعنات قائمة ، لا تجد الدعوة الإلهية مجالا لتحققها ، إذا ف « اذهبا » في بداية الدعوة « إلى فرعون » ولماذا ؟ « إِنَّهُ طَغى » استعبادا لبني إسرائيل ، واستبدادا بالحكم عليهم ، فلتبدأ بحسمه وقصمه لكي تجد الدعوة سبيلا إلى تطبيقها . ترى وكيف يصلح ذهاب الداعية إلى الطاغية ، إصلاحا له ، أم سدا عن بأسه وصدا عن سلطانه ؟ فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى 44 . ونص القول اللين نجده في النازعات « إِذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً . اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى . فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى . وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى » ( 19 ) وكما نجده هنا « فقولا . . . » . ونرى الداعية موسى طول حواره مع فرعون الطاغية لا يقول له إلا قولا لينا « لعلّه يتذكر أو يخشى » ولكنه زاد طغوى على طغوى ، وهذه طبيعة حال الدعوة الصالحة أن تكون لينة بالتي هي أحسن ، بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن ، استنباطا لدفين الحق المستور تحت ستار الهوى ، وفي آخر المطاف « وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ » « 1 » .
هامش
( 1 ) . الدر المنثور 4 : 301 - / أخرج أحمد في الزهد عن ابن عباس قال لما بعث اللّه موسى إلى فرعون قال لا يغرنكما لباسه الذي ألبسته فان ناصيته بيدي فلا ينطق ولا يطرف الا باذني ولا يغرنكما ما متع به من زهرة الدنيا وزينة المترفين فلو شئت ان ازينكما من زينة الدنيا بشيء يعرف فرعون ان قدرته تعجز عن ذلك لفعلت وليس ذلك لهوانكما علي ولكني البستكما نصيبكما من الكرامة عن أن لا تنقصكما الدنيا شيئا واني لأذود أوليائي عن الدنيا كما يذود الراعي إبله عن مبارك الغيرة واني لأجنبهم كما يجنب الراعي إبله عن مراتع الهلكة أريد ان أنور بذلك صدورهم وأطهر بذلك قلوبهم في سيماهم الذين يعرفون بهم وأمرهم الذي يفتخرون به واعلم أنه من أخاف لي وليا فقد بارزني وانا الثائر لأوليائي يوم القيامة . أقول : مثل ابن عباس لا ينقل حديثا قدسيا عن اللّه دون ان يسمعه من رسول اللّه ( صلّى اللّه عليه وآله وسلم ) إذا فهو عنه ( صلّى اللّه عليه وآله وسلم )