تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم — صفحة 85

مساهمون:

ص٨٥
منهم « لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ » أي : ناسيا للميثاق طريق في الحوار طريف حكيم ، ومنهج في الحجاج قويم ، وهذه أدعى إلى إنصاتهم لمقالته فإنها مقالتهم ، ثم كرّ على المقالة من طريق خفي ينبئ عن سداد رأيه ونفاذ بصيرته ، فلما أفل هذا الكوكب تحت الأفق فتفقّده فلم يجده ، وبحث عنه فلم يره قال « لاأُحِبُّ الآْفِلِينَ » فكيف يكون الإله آفلا غافلا عن خلقه ، فذاتية الأفول دليل على ذاتية الحاجة والحدوث ، والفطرة الإنسانية تتطلب إلها لا يأفل ولا يغفل ، بل هو إله لا أزلي أبدي لا أوّل له ولا آخر وهو الأول والآخر . « فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً » وهو أسطع نورا من ذلك الكوكب ومن كلّ كواكب السماء ، وأكبر منه حجما « قالَ هذا رَبِّي » تدرجا في تحريه إلى الحق المرام وهو الكمال المطلق ومطلق الكمال ، استدراجا لهم واستهواء لقلوبهم تمشيا بأقدام الفطرة في تحريها « فَلَمَّا أَفَلَ » هذا الأنور والأكبر كما الأصغر « قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ » عما فطرهم عليه من معرفة اللّامحدود ، تبيانا أن اللّه هو مصدر الهدى ومانح التوفيق لها عن الردى « فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً » يتألق نورها وينبعث منها شعاعها وقد كست الأفق جمالًا وملأت الأرض زينة ودلالا « قالَ هذا رَبِّي هذا أَكْبَرُ » فلأنه أكبر قد لا يأفل والفطرة متحرية عن الكبير الذي لا يصغر « فَلَمَّا أَفَلَتْ » كسائر الآفلين حكم على جماعة عبدة الكواكب وأمثالها من الآفلين - / وكلّ الكائنات آفلة مهما اختلفت المظاهر - / حكم عليهم بالإشراك وبراءته عنه « قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ » « إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ » بكلّ وجوهه الفطرية والعقلية والقلبية « للذي » فطرهن و « فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً » معرضا عما سواه ومسلما إياه « وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ » .