وهذه هي الملكوت العامة التي يجب النظر إليها بعين الفطرة والعقلية الإنسانية ، بعين البصر ثم البصيرة . وهذه الرؤية لا تتجاوز علما مّا بماهية الكون من تعلقه باللّه ، فلا إله إلّا اللّه ، ثم هناك رؤية علمية وقيومية تختص باللّه وهي رؤية أخص الخاص : « فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ » ( 36 : 83 ) ( قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلا يُجارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ . سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ » ( 23 : 89 ) . هذه وتلك ملكوتان بينهما بون كبير ، ثم بينهما وسيطة تختص بإراءة الوحي ، وهي رؤية الخاص ، كرؤية إبراهيم ملكوت السماوات والأرض « 1 » فإيقانه أيضا هو المناسب لرؤيته ، إيقان بعصمة ربانية ليس كسائر الإيقان الحاصل بفطرة وعقلية إنسانية مهما بلغت ما بلغت من قممها ، فإنها ليست لتصل إلى عصمة طليقة تحصل بإرادة اللّه ، المعبّر عنها ببرهان الرب : « وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ » ( 12 : 24 ) اللهم إلّا كنموذج تصديقا لرؤية الملكوت « 2 » وبقدر ما يتقي العبد ربه يرزق رؤية للملكوت ، ولكنها على أية حال
هامش
( 1 ) . نور الثقلين 1 : 732 عن هشام عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال : كشط له عن الأرض ومن عليها وعن السماء ومن فيها والملك الذي يحملها والعرش ومن عليه وفعل ذلك كله برسول اللّه صلى الله عليه وآله وأمير المؤمنين عليه السلام وفيه عن كتاب الاحتجاج حديث طويل عن النبي صلى الله عليه وآله يقول فيه : يا أبا جهل أما علمت قصة إبراهيم الخليل عليه السلام لما رفع في الملكوت وذلك قول ربي « وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ . . . » قوى اللّه بصره لما رفعه دون السماء حتى ابصر الأرض ومن عليها ظاهرين ومستترين »
( 2 ) . نور الثقلين 1 : 730 في كتاب المناقب لابن شهرآشوب جابر بن يزيد قال سألت أبا جعفر عليهما السلام عن قولهتعالى : « وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ . . . » فرفع أبو جعفر عليه السلام بيده وقال : ارفع رأسك فرفعته فوجدت السقف متفرقا ورمق ناظري في ثلمة حتى رأيت نورا حار عنه بصري فقال : هكذا رأى إبراهيم ملكوت السماوات والأرض ، وانظر إلى الأرض ثم ارفع رأسك فلما رفعته رأيت السقف كما كان ثم أخذ بيدي وأخرجني من الدار وألبسني ثوبا وقال : غمض عينيك ساعة ثم قال : أنت في الظلمات التي رأى ذو القرنين ففتحت عيني فلم أر شيئا ثم تخطى خطا فقال : أنت على رأس عين الحياة للخضر ثم خرجنا من ذلك العالم حتى تجاوزنا خمسة فقال : هذا ملكوت الأرض قال غمض عينيك وأخذ بيدي فإذا نحن بالدار التي كنا فيها وخلع عني ما كان ألبسنيه فقلت جعلت فداك كم ذهب من اليوم ؟ فقال : ثلاث ساعة